Welcome to my site
جامع مراد باي أو كما لقب  بجامع الصغير أو جامع الباي    أسس عام 1665 م

           

 

"لما أراد الوليد أن يبني المسجد أشار ببنائه اسطوانات إلى الطاقات، فدخل بعض البنائين فقال : لا ينبغي أن يبنى هكذا، ولكن ينبغي أن يبنى فيه قناطر وتعقد أركانها ثم تجعل أساطين وتجعل عمدا وتجعل فوق العمل قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء".

      ابن فضل الله العمري

مسالك الأبصار ج.1 ص 181

  

خاتمـــة

هكذا يتجلى لنا جامع مراد باي أو الجامع الحنفي بباجة معلما معماريا وثقافيا يختزن ذاكرة المجموعة ويكثفها وليس مجرد فضاء روحي فحسب، وإذا كان تاريخ المدينة الإسلامية في تاريخ معالمها فقد وجدنا في هذا الفضاء الديني شاهدا على الاحتياجات الروحية والثقافية المميزة التي استجدت بمدينة باجة ومن ثمة بمختلف أنحاء الإيالة التونسية خلال الطور التركي من تاريخها، كما وجدنا فيه دليل إثبات لمدى قدرة البيئة الثقافية والروحية المحلية على تلبية حاجيات الاجتماع البشري الجديد الذي استقر بها منذ أواخر القرن XVI واستيعاب مختلف خصوصياته نعني بذلك الجالية التركية والطائفة الكوروغلية المتمحضة عن امتزاج العناصر العثمانية بالسكان الأصليين للبلاد. ولمسنا في هذه المنشأة المعمارية ومدرسة محمد باي المتصلة بها قرينة قوية على بقاء المذهب الحنفي في العصر الحديث طرفا فاعلا في المشهد الثقافي والروحي بالبلاد التونسية مؤسسات وبنى نظرية ورجالات،          مما مكن من المحافظة على تراث مدرسة أهل الرأي في بيئة أعلنت ولاءها    للمذهب المالكي منذ فترة قديمة.

وهو من حيث نظامه الإنشائي وإن كان يجد مرجعيته في الأنموذج المعماري العثماني لم يتماه كل التماهي مع المساجد التركية سواء من حيث مكوناتها أو من حيث قسم من تصميمها وبرنامجها المعماري ولم يقطع مع مساجد الطراز المغربي وإنما تأثر في قسم كبير من ملامحه الخارجية وهيكلته الداخلية بالمنشآت الروحية المحلية وتنتظمها تقاليد معمارية أغلبية وفاطمية وأخرى موحدية، ومن ثم فإن هذا المعلم وإن دخل في نوع من "المزايدة المحاكاتية" مع الطرز المعمارية السائدة تاريخيا داخل المجال الإفريقي ولا سيما من حيث قيمتها الفنية والتعبيرية وبدرجة أقل على صعيد نظامها الإنشائي فإن هذه المزايدة بقدر ما حرصت على تجاوز النمط المعماري المهيمن حرصت على الانفتاح عليه هضما واستيعابا بإدماج بعض عناصره في الطراز المعماري الجديد مما يفضي إلى القول بأن في معمار هذا المعلم وفي التأثيرات التي وسمته امتزاجا بين طرز مختلفة وتجاورا بين مدارس في الهندسة المعمارية الإسلامية متمايزة هي بالأساس الهندسة المعمارية الموريسكية المغربية والهندسة المعمارية العثمانية سيتمحض عن تفاعلها واعتمالها والتواصل بينها الطابع الخصوصي للعمارة الدينية بالبلاد التونسية.

ولا تتظافر هذه الروافد المعمارية بكل عناصرها إلا لتغني روحانية المعلم وتمكن الميسم الرمزي في عمارته وتدعم اقتران العمارة المسجدية فيه كما هو شأنها عامة بنظام شديد الانفتاح مشبع بالدوال مترع بالمدلولات واش بقوانين الإبداع التي تحكم العقل المعماري الإسلامي.

وفي مستوى آخر يشهد تاريخ هذا المركب العلمي والديني : جامع الباي ومدرسته على مدى نجاح البايات المراديين والحسينيين بشكل عام- نتيجة للسياسة العمرانية والتعليمية التي توخوها- في بناء مراكز إشعاع ثقافي حقيقية بمختلف مقاطعات البلاد بما فيها الجهات الداخلية ولا سيما منها المدن ذات الأهمية الاقتصادية والعسكرية الاستراتيجية مثل مدينة باجة وليس أدل على ذلك من دور الجامع الحنفي بها والمدرسة المتصلة به في تعزيز إحدى الوظائف التاريخية للمدينة ممثلة في بث العلوم الإسلامية واستقطاب الطلبة واجتذاب العلماء للاستقرار بها مما أهلها إلى البروز من جديد وتحديدا في النصف الأول من القرن الثامن عشر مركزا ثقافيا وعلميا من الدرجة الأولى أسهم في توطيد أركان مذهب الدولة الرسمي وتكريس أهميته الروحية والاجتماعية واضطلع بدور متقدم في تلبية احتياجات الإيالة من النخب وتمكين الدولة من مدد حقيقي من الإطارات الدينية والقضائية والإدارية تؤكد ذلك العناية التي أولتها كتب التاريخ وكتب التراجم للمدينة ورجالاتها.

وما كان لهذا الدورأن يتشكل لولا تنظيم شؤون مثل هذه المؤسسات الروحية والعلمية وترتيب دروس منتظمة بها وانتداب جملة من المشايخ المشهود لهم بالكفاءة العلمية للتدريس في رحابها واختصاصها بأوقاف لم تكن كافية لصيانة المباني وتعهدها فحسب ولا لدفع مرتبات المدرسين والقيمين بجميع شؤونها فقط وإنما اتسعت إلى تخصيص منح لطلبتها و "الواردين عليها من الآفاق".

وعلى هذا الأساس كان تاريخ المدينة الثقافي في القرنين XVII و XVIII في تاريخ مؤسساتها الروحية والعلمية وفي مقدمتها المؤسسات النظامية وهي التي عنينا بعينات منها في هذا البحث وبالنتيجة في سير رجالاتها، تلك السير التي تعكس هي الأخرى رحلة المذهب الحنفي بالبلاد التونسية في العصر الحديث من الصعود والتألق إلى الانحدار والنهاية إطارا وأدوارا.