"لما أراد الوليد أن يبني المسجد أشار ببنائه اسطوانات إلى الطاقات، فدخل بعض البنائين فقال : لا ينبغي أن يبنى هكذا، ولكن ينبغي أن يبنى فيه قناطر وتعقد أركانها ثم تجعل أساطين وتجعل عمدا وتجعل فوق العمل قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء".
ابن فضل الله العمري
مسالك الأبصار ج.1 ص 181
|
|
جامع مراد باي :معلما معماريا
المواصفات و المكونات المعمارية
موقع المعلم
إذا كان الجامع الكبير بمدينة باجة العتيقة، وهو من أقدم المعالم الدينية بها, ينتصب في ميدان تتقاطع عنده وتلتقي لديه أهم أزقة النطاق السكني من النسيج العمراني وينشـد مباشرة إلى مقر السلطة العسكرية , القصبة , ومركز السلطة المدنية , دار القايد , وتحيط به دكاكين العدول وجانب من الأسواق وعند جدار فبلته ينتهي السـور وينفتح أحد أربـاض البلد الثلاثة وهو المعروف بالربــــض القبلي أو "الربط"1 فإن جامع مراد باي الحنفي , وهو لا يبعد سوى مائة متر عن المنشأة الدينية الأولى , يحتل موقعا استراتيجيا بالنسبة إلى المحاور العمرانية المتاخمــــــة لا يقل أهمية عن موقع نظيره المالكي ولكنه يختلف عنه إذ يقوم خارج باب العين أحد أبواب البلد2 وبالتالي خارج السورالغربي3 وتحديدا في مستو من الأرض هو أحد سفوح الجبل الذي تتكئ على منحدراته المدينة العتيقة وهو جبل عين الشمس , في نقطة التقاء مسلكي لأهم الدروب والأزقة بل نقطة تقاطع بين "المدينة" من ناحية وهي أقدم نويات النسيج العمراني، وقد كانت الأسوار تكتنفها من كل جانب، وثاني الأرباض أهمية هو ربض عين الشمس أو الربض الجوفي4 وربض آخر لعله آخر أرباض البلد ظهورا هو الربض الشرقي المعروف اليوم بحومة الجرابة5 . ونقطة التقاطع هذه لا تلتقي عندها الأحيزة السكنية فحسب بل يلتقي عندها أيضا الحيز التجاري والحيز الروحي مما يجعل منها ليس فقط نقطة التقاء وإنما أيضا علامة هيكلية ومرجع استدلال على توزيع المجال، وتجعل من المعلم الديني المنتصب في الجوار ليس فقط فضاء روحيا ومعماريا واجتماعيا وإنما بالتزامن مع ذلك عنصرا أساسيا مكونا للساحة العامة : ساحة باب العين.
ونظرا إلى أن مبنى الجامع قد أقيم خارج الأسوار فإن ترتيبه العمراني التأسيسي قد صيغ بشكل كان من الممكن معه أن نشاهد حدوده الفضائية من الخارج كاملة فضلا عن الصومعة بحيث شكلت هذه الحدود على هيئة الحصون مثلما هو الحال في جامع عقبة بن نافع بالقــــيروان والجامع الكبـــــير بسوسة ولكن مقتضيات إضافة مدرسة إلى المنشأة الدينية المذكورة في نفس الفترة تقريبا جعل كتلة الجامع تسبح في جانب منها داخل النسيج العمراني للربض تماما مثل الجامع الكبير6، بحيث أضحى التعرف على مكان الجامع داخل التجمــع العمراني ولا سيما شمالا من ناحية باب السبعة وشرقا حيث الأسواق وسماط المدينة أو الشارع العام غير متيسر إلا من خلال الصومعـــــة التي تمثل العنصر المعماري الوحيد الذي يرى عن بعد.
وعلى هذا الأساس فقد كانت المدرسة التي أنشأها محمد باي تحد مبنى الجامع شمالا وما تزال بقاياها وما يليها من نطاق الربض السكني تحد المعلم بعد توسعته من الموقع نفسه. أما غربا فتنفصل كتلة الجامع عن الســــــور بنهج تحت السور (نهج عز الدين العلاء حاليا و نهج الجنينة في زمن أسبق ) ولكنها تتصل به في ذات الآن كما تتصل بالحمام الواقع داخل السور وهو حمام المدينة المعروف أيضا بالحمام الجديد بواسطة خمس أقواس / قناطر تحملها عقود مقوسة7 . والجامع منفصل شرقا عن السماط الممتد بين باب الجنائز جنوبا وباب السبعة شمالا وبالتالي عن جانب من الأسواق 8 بنهج المدرسة وهو النهج الذي تنفتح عليه محلات للحياكة وأخرى معدة لتعاطي مهنة العـــــدالة والتوثيق لا غير وهي محلات كانت موقــــوفة على المدرسة المرادية. أما جنوبا فتمتد ساحة باب العين وهي فضاء مفتوح يفصل مبنى الجامع عن بقية الأحيزة العمرانية المتاخمة ويصله بها في الوقت نفسه.
وأكثر يلفت الانتباه في هذا الفضاء الحضور المكثف للمنشآت الصحية والمائية والروحية إذ ينتصب بها غربا حمام أبي صندل 9 وسبيل يوسف صاحب الطابع10 وقد ظل الأول متصلا بكتلة الجامع بباب ذي فتحات ثلاث يعود إلى العهد الروماني11 . أما في شرقيها فنجد الزاوية الرحمانية الأولى وتتصل بالجامع بواسطة قنطرة / قوس عالية. ولا ينفصل الحيز السكني للبلد عن هذه الساحة ومن ثمة عن جامع الباي القائم في جوارها إلا بجانب من السور يخترقه باب بيزنطي ما يزال منتصبا إلى اليوم في قسم يسير منه وعبره يتم النفاذ إلى ساحة أخرى تقع داخل السور هي ساحة العين (عين باجة ) حيث شيد الرومان أحواضا لحسن استغلال المياه وإحكام تصريفها وشيدوا صهاريج لتخزينها وإمداد الحمامات المتاخمة بها12 وحيث ابتنى المسلمون أماكن أخرى للعبادة هي بالأساس جامع النخلة وزاوية أبي نوا لة : ثاني زوايا الطريقة العيسوية بالمدينة.
وبناء على تعدد المنشآت المعمارية بهذا الموقع وتنوعها فإن المكان يرتقي إلى مستوى القطب المعماري والروحي في آن واحد ناهيك أنه علامة زمنية بما هو نواة تختزن ذاكرة المجموعة وتكثفها.
فالمؤسس، على هذا، لما اختارّ لجامعه هذا الموقع لم يكن اختياره عفويا وإنما ارتبط بمقاصد ودعت إليه ضرورات، اختار الموقع قريبا من أعذب ينابيع المياه وأغزرها واختاره جوار الحمامات لما بين المرافق الصحية و أداء الشعائر التعبدية من تلازم واختاره في عقدة الطريق بين النواة العمرانية القديمة أي البلد واثنين من أكثر أرباضها امتدادا وهما إلى جانب الربض القبلي أكثر أحيزة النسيج العمراني اجتذابا للسكان الجدد من الجالية التركية ثم من الطائفة الكوروغلية , ربض عين الشمس وحومة الجرابة الأمر الذي كان يطرح حاجيات روحية وعلمية كان من الضروري أن يتم إشباعها كما كان من الضروري أيضا أن يضمن لها الإشعاع لاستقطاب مزيد من الأتباع وخاصة في أوساط التجار والحرفيين ... بل إن إقامة جامع حنفي داخل مجال الجامع الكبير وهو المعقل التقليدي للمذهب المالكي يصب ضمنيا في اتجاه الصراع غير المعلن بين المذهب الرسمي للدولة, مذهب الأرستقراطية الحاكمة , ومذهب الغالبية العظمى من السكان وتنازعهما على مواقع السيادة إضافة إلى ما في ذلك من رغبة الأقلية الحنفية في تعزيز حضور مذهبها وإعلاء شأنه بكل ما يعنيه ذلك من دفاع عن مصالحها ومحافظة على كيان الدولة التي تعبر عن هذه المصالح.
رجوع
-2 تاريخ المعلم
يعرف هذا الجامع بالجامع الصغير تمييزا له عن الجامع الكبير أو الجامع الأكبر أو أيضا الجامع الأعظم وهو جامع أغلبية السكان وهم من المالكية والمثابة الروحية المركزية للبلد منذ العهد الزيري على الأقل بحيث تغدو للتسمية من جانب "الرعايا" دلالة معنوية تتصل بمكانة هذا المذهب وذاك داخل المجال العقائدي للمجموع العام للسكان وحجم الانتشار الذي يحظى به كل منهما في صفوفهم إلا أن ذلك لا يستبعد أن تكون للتسمية دلالة مادية تتصل بكتلة كل من المنشأتين , ذلك أن هذا المعلم العثماني أقل حجما من نظيره المالكي , ولكن هذه الفرضية تبقى أقل وجاهة من الأولى إذ توجد داخل النسيج العمراني العتيـــــق جوامــــع أخرى مثل جامع التوبة13 وجامع أحمد الجزار وجامع الخطبة ترجع جميعا إلى فترات تاريخية سابقة للقرن XVII/XI وهي كلها أقل حجما من الجامع الحنفي ولكن لم يسم أي واحد منها بالصغير.
ويسمى أيضا الجامع الحنفي لإقامة الصلوات به على قواعد مذهب أبي حنيفة النعمان ولأن الجامع لم ينشأ أصلا إلا لنشر المذهب الحنفي وتدريس المنظومة الفقهية التي يقوم عليها.
كما يعرف بجامع الباي في إشارة إلى مؤسس المعلم والمنصب السياسي الرسمي الذي كان يحتله : مراد باي الثاني ثالث أمراء الأسرة المرادية14 . وإذا كانت المصادر التاريخية التونسية في معظمها15 متفقة على اسم المؤسس وهو مراد باي المذكور يستثنى منها ابن أبي الضياف الذي عد جامع الحنفيــة بباجة من منجزات محمد باي16 وهذا غير صحيح كما سيتضح لاحقا فإن بين الدارسين المعاصرين اختلافا بهذا الشأن لا تبرره المصادر بأي حال من الأحوال، فإذا كان أحمد عبد السلام يؤكد على صواب رأي المؤرخين التونسيين في القرنين 17 و 18 في هذا الصدد17 فإن الباحث الفرنسي بوننفان (Bonnenfant) يذهب إلى أن الحاج بقطاش داي(1097/1686- 1099/1688) هو الذي شيد هذا المسجد كما شيد المدرسة المجاورة له18 , في حين يشير محمد الحبيب الهيلة إلى أن باني المعلم الديني المذكور هو الداي مامي جمل (1084/1673-1088/1677)19 وهذا خطأ لدى الباحثين منشؤه لدى الأول وقد اعتمد على ابن أبي الضياف تداخل مآثر محمد باي مع أخبار الحاج بقطاش داي في نص الإتحاف والتباس الفقرات التي تخص هذا وذاك رغم أن التمايز بينهما واضح بالنسبة إلى قراءة أكثر تأنيا، أما منشأ الخطإ لدى الثاني وقد اعتمد على حسين خوجة فيرجع إلى وجود مآثـــر مراد باي وحسناته ضمن أخبار مامي جمل وقد كان تجنب هذا الخطإ ممكنا لا سيما أن النص المصدري على تداخل بنائه يقطع الطريق أمام أي التباس من هذا النوع.
ومهما يكن من أمر فإن مراد باي الثاني هو بلا جدال مؤسس الجامع الحنفي، نقطع بذلك رغم غياب أية نقيشة في المعلم تؤكد ما نذهب إليه، رغم عدم عثورنا إلى حد الآن على رسم الحبس الذي يخصه20، ليس فقط لاتفاق معظم المصادر على ذلك وإنما لعثورنا في رسم أحباس مدرسة محمد باي بباجة21 على ما يثبت أن المسجد الحنفي الكائن قبلي المدرسة المشار إليها هو جامع مراد باي الثاني قطعا.
لا يعرف تاريخ مضبوط لبناء هذا الجامع ولكن بإمكاننا اعتمادا على الفترة الزمنية التي قضاها مؤسسه في الحكم , وتمتد من 9 شوال 1076 / 14 أفريل 1666 إلى 16 جمادى الأولى 1086/ 8-8-1675 , أن نرجع تاريخ الإنشاء إلى الثلث الأخير من القرن XVII/XI22، ستينات القرن السابع عشر أو سبعيناته على أقصى تقدير، فهو على هذا من أول المؤسسات الدينية الحنفية التي أنشأها الأتراك خارج العاصمة23، وربما كان ثانيها على التحديد. ولعل موقع هذه المنشأة الزمني ضمن شبكة المؤسسات الروحية والعلمية التي حرص الأتراك، ولا سيما خلال العهد المرادي، على تأسيسها تعكس بالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية لمدينة باجة عسكريا وسياسيا بالنسبة إلى استقرار السلطة في الحاضرة، أهمية الجالية التركية التي كانت قد استقرت بالبلد وتزايد حاجياتها الروحية والثقافية بتزايد أهميتها واتساع عددها زد على ذلك الدور المفترض الذي كان لإنشاء الجوامع والمدارس أو ترميمها في استقطاب السكان وكسب ولائهم الأمر الذي يبرر من بعض الوجوه، علاوة على الظروف الاقتصادية السانحة، استراتيجيا البناء والتعمير الديني والمدني التي انخرط فيها الحكام الجدد للبلاد.
-3 المواصفات والمكونات المعمارية
-3 –1 المساحة والملامح العامة
إن المقاربة الجمالية والمعمارية لمكونات هذا الفضاء الروحي تقتضي منا ابتداء أن نلفت الانتباه إلى التغييرات التي لم تطل رسم تخطيطه التأسيسي فحسب وإنما طالت أيضا كتلته ومساحته وتوزيع فضائه الداخلي. تم ذلك على إثر أعمال التوسعة التي شملته عام 1977.
يظهر ذلك جليا من خلال التراكب الواضح في كتلة هذه المنشأة بين وحدتين معماريتين متباينتين من حيث أسلوب البناء ومواده ومكونات الفضاء ومميزاتها , وما ينسحب على المظهر الخارجي لهذا المعلم ينسحب على وحداته الداخلية بحيث أصبح من غير العسير على زائر المكان أن يلاحظ ذلك الفارق البين بين القسم العتيق من المبنى وهو القسم المرادي الذي تحتفظ بيت الصلاة والمئذنة بأكبر جزء منه والقسم الحديث , ومن المؤسف أن تصميم هذه التوسعة على غرار غالب التوسعات التي طالت معالم دينية عتيقة أخرى وإن كانت قد خضعت لبعض القواعد الوظيفية والعقائدية فإنها لم تول المعايير الجمالية والشروط المعمارية إلا اعتبارا ثانويا.
وإذا كان مبنى هذه المنشأة الدينية يشغل حاليا مساحة مستطيلة تقدر بحوالي 1.254 م2 تقريبا تحتل منها بيت الصلاة حيزا يناهز 710.5 م2 ويمتد الصحن على مساحة تقدر بحوالي 506 م2 في حين تنتصب الصومعة وبعض الملحقات الأخرى في بقية الفضاء فإن كتلة المبنى العتيق من خلال رسوم تخطيطه24 والصور الفوتوغرافية الملتقطة له في فترات سابقة لأشغال التوسيع فضلا عن الشهادات الميدانية لم تكن منتصبة على نفس المساحة وإن كانت بجلها تسبح في غالب هذا الفضاء. فقد كان الحيز التاريخي في جامع الباي منذ تأسيسه منتشرا على مساحة شبه مستطيلة تقارب 847 م2 (22 م × 38.5 م) تجتزئ منها قاعة الصلاة حوالي 352 م2 (22 م × 16 م) ويحوز الصحن ما لا يقل عن 316 م2 (18.9م×16.7م2) أما بقية المساحة فللملحقات. فمن أين تأتى لهذا الفضاء الروحي هذا الاتساع الذي قارب نصف مساحته الأصلية ؟
لقد شرب المسجد الجامع جل ما كان متصلا به من وحدات سكنية وصحية وعلمية : الكتاب ودار الإمام ومكتبه والميضاة القديمة ومدرسة محمد باي في قسمها الأكبر. وهكذا هيمن الحيز الروحي الذي كان جزءا أساسيا من هذا المركب المعماري والثقافي على المركب بكامله , وعلى هذا الأساس تمت إعادة توزيع وحداته الداخلية :
فقاعة الصلاة القديمة غدت القسم القبلي من قاعة الصلاة الحالية.
ودخل الكتاب في فضاء القسم العتيق من قاعة الصلاة.
وأصبحت السقيفة المفضية إلى باب الصومعة والصحن الأصلي جزءا شرقيا من قاعة الصلاة.
أما الصومعة التي كانت تحتل الركن الشمالي الشرقي من الصحن العتيق فقد صار موضعها، بعد ضم هذا الصحن وإدماجه مع ما يتصل به من ملحقات في قاعة الصلاة الحالية، الركن الشمالي الشرقي من حرم المسجد.
في حين أقيم الصحــن الحالي على ثلثي مساحة المدرسة التي أسسها محمــــــد باي أو بالأحرى على ما بقي من أنقاضها25 وأنقاض الميضأة القديمة في جزء منها.
يقدم هذا الجامع في مظهره الخارجي واجهات خالية من جل مظاهر الزخرفة والزينة وجسارة النظام الإنشائي وسائر ما إلى ذلك من مميزات مساجد الطراز التركي ويخضع بالمقابل للقاعدة العامة التي انتظمت مساجد الطراز المغربي من حدود إفريقية إلى المغرب الأقصى : الولاء للتقليد المعماري الإسلامي الأول وما يتميز به من بساطة وتناسق ووقار26 .
ومن ثم فإن جامع البــــــاي بباجة رغم أنه يجد مرجعيته في الأنموذج العثماني لم يتأثر على غرار الجوامع الأولى التي تأسست بالبلاد التونسية على أيدي المراديين بالمساجد التركية سواء من حيث مكوناتها أو من حيث قسم من تصميمها إذ استغنى عن الصومعة المثمنة والصحن الذي يحيط ببيت الصلاة من جهاتها الشرقية والشمالية والغربية مثل حرف (U) اللاتيني27 وتخلى عن الواجهة المزخرفة وإنما تأثر في قسم كبير من ملامحه الخارجية وهيكلته الداخلية بالمنشآت الروحية التي كانت واقعة في جواره الجغرافي نعني بالتحديد جامع أحمد الجزار وطرازه أغلبي والجامع العتيق وطرازه فاطمي وهما مثل سائر الجوامع الإفريقية يتميزان بالإضافة إلى الزهد في الزخرفة الخارجية بالصومعة المربعة والصحن المستطيل الذي يتقدم قاعة الصلاة وتحيط به الأورقة – كلما كان الفضاء سانحا- فكأن رغبة الأقلية الحنفية المحلية وحماتها الرسميين قد تمثلت من الناحية المعمارية في إنجاز منشأة بإمكانها أن تنافس في إطار من "المزايدة المحاكاتية"28 المنشآت الروحية لمذهب الغالبية العظمى من السكان في مستوى القيمة التعبيرية والفنية وبدرجة أقل على صعيد النظام الإنشائي وهذا ما يظهر بشكل أوضح في الترتيب الداخلي للفضاء والعناصر المعمارية الجديدة التي أدخلت عليه . إنها منافسة بقدر حرصها على تجاوز النمط المعماري السائد تحرص على الانفتاح عليه وإدماج بعض عناصره في الطراز المعماري الجديد.
-3-2-الأبواب الخارجية
مثلما هو شأن عدد غير قليل من المنشآت المدنية والروحية القديمة والوسيطة كجامع أحمد الجــزار وزاوية الحــــواريين29 وزاويــــة سيدي محمد المغراوي30 فإن جامع مراد باي الحنفي في وطاء من الأرض الأمر الذي جعل أغلب مداخله تحتوي على دروج تفضي إلى داخل المبنى وهي دروج تقل عند الولوج مباشرة إلى قاعة الصلاة العتيقة من الطريق العام وتتزايد عند الدخول إلى الصحن القديم. وما ينسحب على القسم القديم من الجامع بمختلف وحداته ينسحب على الهيكلة العامة لفضاء هذا الجامع كما استقرت عليه اليوم. وتعكس هذه الظاهرة "مورفولوجية" المديـــنة السفلى التي يخف عندها انحدار جبل عيـــــن الشمــس بحيث ينتهي سفحه إلى شبه مستو من الأرض انتصب فوقه هذا المعلم والمركب المتصل به.
كان الدخول إلى حرم المسجد يتم عبر أربعة أبواب ثلاثة منها شرقية تفضي تباعا إلى الصحن مرورا بالسقيفة، فالكتاب ثم إلى قاعة الصلاة جنوبا وواحد منها فقط غربي وينفتح مباشرة على الصحن قبالة باب الصحن الشرقي. وإذا كانت الأبواب الشرقية التي تسترسل من الشمال إلى الجنوب منفتحة على الأسواق إذ لا تفصلها عن السماط الكبير وبصفة جزئية إلا بعض المحلات التي كانت موقوفة على المدرسة المرادية بما يجعل كتلة هذه المنشأة الروحية متأخرة عن خط اصطفاف المباني بالشارع الكبير بما يشبه الدريبة فإن الباب الغربي ينفتح مباشرة على نهج تحت السور الحيز الفاصل الواصل بين النطاق السكني للنسيج العمراني العتيق والساحة العامة : ساحة باب العين حيث المنشآت المائية والصحية وعقدة الطريق بين النواة العمرانية الأصلية أو "البلاد" واثنين من أكثر أرباضها امتدادا وهما بالإضافة إلى الربض القبلي أو "الربط" ربض عين الشمس وحومة الجرابة.
ولما كان الأمر على ما بينا فإن هذه الأبواب تغدو ناطقة بقليل أو كثير بمختلف أحيزة النسيج الحضري للمدينة العتيقة ووظائفها الاجتماعية المتباينة.
تشتمل هذه المداخل على أبواب خشبية يتكون كل واحد منها من مصراعين لا يحتويان على أية عناصر زخرفية مميزة ما عدا المسامير ذات الرؤوس نصف الكروية وهذه الطريقة في تحلية الأبواب من التأثيرات الأندلسية التي تواصل العمل بها في الباب التونسي التقليدي إلى اليوم. وتتوزع هذه المسامير على كامل مساحة الباب وترصع محيطه بالتمام وتتركز بأحجام وهيئات زخرفية مغايرة فوق المدقين. وكل من هذه الأبواب مستطيل الشكل متوسط الحجم (1.25 م × 2.50 م) موحـــده ما عدا باب الكتاب فهو أصغر حجما . ويحيط بكل باب إطار من الكذان31 يطوقه في مستوى الساكف والقائمين / العضادتين. ويختص واحد من هذه الأبواب فقط وهو الباب الجنوبي الشرقي للمعلم، أقدم الأبواب وأبقاها حاليا، بتتويجه في أعلى ساكفه : شمسية بيضوية الشكل على هيئة كوة محمية بالحديد المشبك تساعد على دخول الضوء والهواء إلى قاعة الصلاة الأصلية. أما بقية الأبواب فلم تتجه العناية إلى صيانتها وترميمها، وقد كان ذلك ممكنا، وإنما وقع الاستغناء عنها وتعويضها بأخرى مغايرة في ملامحها الأساسية، فقد سد باب الكتاب وصار باب الصحن الشرقي القديم يفضي رأسا إلى قاعة الصلاة وهذا شأن الباب الغربي للصحن نفسه , وتحول مدخل دار الإمام في القديم، وهو باب كان متعامدا مع باب المدرسة المرادية، إلى مدخل للفضاء المخصص لصلاة العنصر النسائي وأصبح الباب المفضي إلى الميضاة القديمة منفذا شماليا شرقيا للصحن الجديد يقابله في الطرف الآخر من هذا الفضاء المكشوف منفذ آخر بالمواصفات ذاتها تقريبا إلا أنه غربي المفتح.
ورغم ما يلاحظ من تفاوت بين الأبواب الخشبية التي تم تركيزها في هذه المداخل من حيث الأبعاد فإن تماثلها في الشكل واتحادها في العناصر الزخرفية يجعلها بالتقادم مؤشرا من مؤشرات التغييرات المعمارية التي أدخلت على المعلم فجميعها تعلوه شمسيات نصف بيضوية قدت من الحديد المشبك وقع تضمينها في جزء الباب الأعلى ذي الشكل المقوس وجميعها اقتصر من الزخرفة على المستطيلات الخشبية المتوازية وفي جميعها يتراكب الشكلان المستطيل والمقوس ومن جميعها أيضا غاب إطار الكذان التقليدي غياب المعايير النمطية التي وسمت الأبواب الأصلية لهذا المعلم شكلا وحلية.
وتبقى الأبواب الشرقية في هذا الجامع من الناحية العملية أهم المداخل إذ توجد في الناحية المواجهة للأسواق وهي من أكثر الفضاءات التي يرتادها الناس وتنفتح على مختلف المسالك الفرعية التي يؤمها كل القادمين من مختلف أحيزة النسيج العمراني.
-3-3 الفضاء الداخلي : وصف وتحليل.
يبدو أن البرنامج المعماري لفضاء الجامع العربي قد انتظم وتحدد بصورة نهائية داخل المجال المغربي منذ القرن IX/III ولذلك فإن محددات هذا البرنامج ستظل هي نفسها بالبلاد التونسية رغم تعدد التأثيرات المعمارية التي شهدتها عبر القرون وتنوع مرجعياتها.
وقد قام البرنامج الفضائي لمساجد الطراز المغربي بالأساس على مكونين رئيسيين :
- فضاء مكشوف هو الصحن تجري الأروقة على طول جوانبه الأربعة مكونة في الجهات الشرقية والشمالية والغربية مجنبات في حين يكون الرواق القبلي ما يسمى بهوا تتوسطه عادة قبة في امتداد البلاطة المحورية أو الرواق القاطع تسجل غالبا مدخل قاعة الصلاة والصومعة وإن استقرت مكونا إنشائيا من مكونات الصحن إلا أنها لا تحتل فيه بالضرورة موقعا ثابتا وإنما تتحكم في تحديد موقعها أفضل إمكانات مشاهدتها من مختلف مسالك النسيج العمراني.
- فضاء مسقوف هو قاعة الصلاة تنتظمه أروقة عرضية موازية لجدار القبلة تسمى أساكيب وأروقة رأسية متعامدة مع هذا الجدار ومفضية إليه هي البلاطات ومن أبرز ما يؤثث هذا الفضاء المحراب والمنبر وقبة المحراب التي ينتهي عندها المجاز القاطع، أوسع الأروقة وأوسطها في آن.32
فما هي خصائص هذه المكونات في جامع مراد باي الحنفي وما هي مدلولاتها ؟
-3-3-1 الصحن والأروقة
لوصف الصحن من الضروري أن نحاول استحضار الحالة الأصلية 33 التي كان عليها , وقد شاهدناها عيانا , والمقارنة بينها وبين حالته الراهنة.
كانت باحة هذا الفضاء تحتل غالبا القسم الشمالي من قاعة الصلاة الحالية وهي عبارة عن مساحة خفيفة الاستطالة تمتد من الشمال إلى الجنوب طول ضلعها الشرقي 18.9م وطول ضلعها الجنوبي 16.7م. وبهذا فهي تشغل حيزا يقدر بحوالي 316م2 وهو حيز دون الحيز الذي تشغله قاعة الصلاة بقليل إلا أنه يمتد على قرابة 37.5% من المساحة الجملية للجامع. والواضح أن قياسات الصحن قد خضعت لنفس القواعد التي حددت قياسات قاعة الصلاة وهي الشكل المستطيل الذي يفوق عمقه عرضه بقليل أو كثير.
هذه الباحة تحميها ثلاث مجنبات وبهو، وهذه المساقف أو الظلات أروقة رأسية على الجانبين الشرقي والغربي وأخرى عرضية شمالية وجنوبية لا يتجاوز عمقها ثلاثة أمتار وتبعا لذلك وكما هو الحال في معظم المساجد التاريخية بالبلاد التونسية فكل منها مؤلف من مجاز واحد في كل جانب34.
وتحف بهذه المجنبات من جميع الجهات ثلاثة عقود مقوسة لا تقوم على أعمدة كما هو الشأن في الجامع الكبير الواقع في الجوار بل على دعائم/ بدنات مكعبة تصطف أربعا أربعا من كل جانب وتحمل سقفا متواتر الاحديداب كله أقبية مستطيلة. وقد ختمت أعالي واجهات هذا الصحن بتتويجه من القرميد الأخضر تراكبت فيها القطع المحدبة مع القطع المقعرة.
وعلى هذا الأساس فإن المهندس الذي أشرف على بناء هذا المعلم وإن خضع لمتطلبات الهندسة المعمارية العثمانية في قاعة الصلاة خضوعا كاملا35 فإنه لم يخضع لها في الصحن إلا جزئيا , فباستثناء محراب الصحن وهو من التقاليد المعمارية التي لم تعرفها العمارة المسجدية بإفريقية قبل العصر التركي وقد تطلبته الضرورات المناخية المحلية وتدفع الناس صيفا إلى أداء بعض الصلوات في الهواء الطلق بدل الانزواء لها داخل الفضاءات المغلقة مما يكرس التأثير العثماني في عمارة هذا القسم من المعلم , فإن التأثيرات التي سيطرت على نمط هذا المبنى ذات صبغة محلية، يظهر ذلك من خلال تبني المستطيل شكلا للصحن وهو الشكل الذي وسم كل المساجد التي بنيت بالبلاد التونسية حتى مطلع القرن XVII والتخلي بالمقابل – وربما كان ذلك لاعتبارات تتعلق بطبيعة الفضاء الذي اختير لإرساء مبنى الجامع 36- عن الصحن الذي يحيط ببيت الصلاة شرقا وشمالا وغربا على هيئة حرف (U) اللاتيني وهو الشكل المعماري الذي وسم المساجد التي شيدت على الطراز العثماني إبان هذه الفترة بمدن تونسية مختلفة وخاصة بالعاصمة مع تأسيس جامع يوسف داي سنة 1021/1612. كما يظهر في محاكاة الترتيب العام للصحن المحلي وهو الترتيب الذي يفضي فيه فناء المسجد إلى قاعة الصلاة بواسطة رواقية، علما أن البهو المقبب أو المقبو لم يستقر في التقاليد المعمارية الإفريقية إلا خلال القرنين X/III و XI/IV . فكأنما في معمار هذا المعلم إذن ترافد بين الفن المعماري المحلي والهندسة المعمارية العثمانية.
وأرضية هذا الفنـــاء مبلطة بالكامل بنوع من الحجارة الصقيلة تسمى "الفـــرش" أو "الرصف". ولأن مستوى هذا الفناء مرتفع بعض الارتفاع على مستوى أرضية بيت الصلاة بني في وسطه مـــاجـل لاستيعاب مياه الأمطار عبر مزاريب مضمنة , وعلى جانب من هذا الماجل بئــر عذبـة يحمي فوهــــتها مثاب مكعب حجري يحمل بعض النقوش ومنها كان المصلون يتزودون – وقت الحاجة – بالماء الصالح للشراب.
نلج الصحن من مدخلين أحدهما شرقي يتصل بالنطاق التجاري والحرفي وثانيهما غربي ينفتح على النطاق السكني ولذلك فباب الصحن الشرقي تماما مثل باب بيت الصلاة الشرقي أكثر مداخل الجامع أهمية من الناحية العملية حتى أن نظيره الغربي – لقلة اعتماده – لا يفتح إلا أيام الجمعة والعيدين.
وكما ييسر الفناء عملية الدخول من الخارج فإنه يتيح عملية التحرك في الداخل باتجاه الميضاة القديمة وباتجاه قاعة الصلاة. هذه القاعة يظل فيها البهو ثلاثة أبواب مستطيلة الشكل تتوسط الرواق يتخللها شباكان بالمواصفات نفسها. ولا تسترعي هذه الأبواب الانتباه إلا بإطار الكذال الذي يجري على جوانبها وسواكفها وقد تخلى الفناء بعيد أعمال التوسعة عن موقعه لفائدة بيت الصلاة كما تنازل عن وظائفه لصالح الصحن الجديد ولكنه لم يتنازل له عن ذلك إلا بعد أن أملى عليه المحافظة على نفس البرنامج الفضائي الذي كان ينتظمه مع تعديلات جزئية في الأبعاد والعناصر الإنشائية، فقد عوض الجليز الحجارة الصقيلة بلاطا للأرضية واستبدل في المجنبات السقف المحدب بالسقف المسطح وحضرت السواري لحمل العقود بدل الدعامات أو البدنات : أربع وعشرون سارية اسطوانية ذات تيجان تركية حديثة تحمل عقودا نصف دائرية تتوكأ عليها بدورها قناطر تكون قاعدة السقف. وصارت الميضاة، وإن استقلت بمدخلها عن فضاء المعلم، تحتل كامل المجنبة الغربية مقتطعة بذلك جزءا من الصحن بعد أن كانت بناء ملحقا غير مندمج في جسم المسجد وإن اتصل به من حيث المدخل.
-3-3-2 قاعة الصلاة
يخضع إرساء مبنى قاعة الصلاة مثلما هو الحال بالنسبة إلى الجامع برمته لقاعدة استقبال الكعبة وبالتالي الاتجاه إلى مكة عند إقامة الصلاة بدليل الآية:
) فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره(37ومن أجل ذلك كان تحديد القبلة الاعتبار الأهم في إرساء مبنى المؤسسات الروحية الإسلامية وفي مقدمتها المساجد والزوايا.
وعلى هذا الأساس قام المعماري المخطط للمساجد بتصميم قاعة الصلاة على صورة مستطيل يتوافق فيه المحور الطولي مع القبلة، واعتبارا للاتجاه الطولي في تهيئة الفضاء كان عمق قاعة الصلاة أقل من عرضها. ومرجعية هذا الترتيب عقائدية تتصل بفضل الصف الأول في التقليد النبوي بما يقتضي تسوية الصفوف ورصها في الاتجاه العرضي بالتزامن مع ملئها انطلاقا من الصف الأمامي38 .
وهذا انتظام "لا يمكن الحصول عليه في تصميم آخر غير المستطيل العرضي إذ لا يمكن أن يعطينا أي شكل آخر بما في ذلك المربع المساحة المطلوبة لامتداد الصف الأول بصفوف المصلين"39 .
وقاعة الصلاة في جامع الباي، رغم العناية الخاصة التي صرفها لها مبتنيها مما جعلها تستحضر كثيرا من المؤثرات العثمانية فيما يكونها من عناصر، لا تقطع مع التقاليد المعمارية المحلية ولا سيما من حيث الاحتفاء بطابع البساطة الذي يميز مساجد الطراز المغربي الأول.
فقد حافظت في تخطيطها على شكل المستطيل العرضي الأمر الذي جعل عرضها أكثر من عمقها مثلما هو الشأن في سائر المساجد الإفريقية الأنموذجية كجامع الزيتونة بتونس وجامع عقبة بن نافع بالقيروان والجامع الكبير بصفاقس والجامع الفاطمي بالمهدية... فعمقها ستة عشر مترا وطول جدار القبلة فيها وهو عرضي اثنان وعشرون مترا مما يجعلها تحتل حيزا يمسح352 م2 تقريبا أي نسبة 41.5% من مساحة المعلم الجملية. ولكن التوسعة الأخيرة قلبت هذه المعطيات رأسا على عقب ذلك أنها وإن وسعت مساحة هذا الفضاء إلى حوالي 710.5م2 وجعلته يستأثر بما يقدر بــ 56.6 % من مساحة المعلم فإنها اضطرت إلى جعل عرضه أقل من عمقه بما يساوي الثلث الأمر الذي أعطاه شكل المستطيل الطولي.
ورغم أن هذه القاعة تشكل حاليا امتدادا فضائيا موحدا فإن زائرها يميز بسهولة بين جزأيها الجنوبي، وهو الجزء العتيق، والشمالي، وهو الجزء الحديث، للاختلاف البين في موادهما الإنشائية وبعض ملامحهما المعمارية فضلا عن انفصال غابة السواري الاسطوانية التي تؤثث كل واحد منهما بصف من الدعامات المتوازية الأضلاع.
فقاعة الصلاة العتيقة تنتظمها أربعة أساكيب وخمس بلاطات وبلاطة40. وتفوق عدد البلاطات على عدد الأساكيب من مستتبعات المستطيل العرضي وإذا كانت الممرات الموازية لجدار القبلة على الانتظام الزوجي وهو أحد انتظامين تخضع لهما قاعة الصلاة في المؤسسات الروحية الإسلامية فإن نظيرتها المتعامدة مع هذا الجدار قد خرجت عن مرجعها المألوف وهو قاعدة الانتظام الفردي بعد أن دعت ضرورات موقع إرساء المبنى إلى تعزيز مساحة حرم المسجد بفضاء جانبي وبالتالي إضافة بلاطة سادسة أربكت التوازن الفضائي داخل قاعة الصلاة وانحرفت بالمجاز القاطع عن موقعه المحوري الذي يقسم هذه القاعة في العادة نصفين متوازيين. علما أن الانتظام الفردي من مستلزمات إقامة المحراب في محور جدار القبلة.
والملاحظ أن قياسات الرواق الأوسط المواجه للمحراب والرواق الجاري مع جدار القبلة زائدة على قياسات بقية الأروقة الرأسية والعرضية وبهذا التشكيل يصبح المعلم خاضعا "للترتيب التائي"41 وهو أكثر النماذج انتشارا في عمارة المساجد42 .
وترتكز هذه القاعة على أعمدة، وهي نوعان أساطين ودعامات / بدنات، سوار مستديرة وأخرى متوازية الأضلاع، يبلغ عدد الأولى سبع عشرة (17) سارية43 ويبلغ عدد الثانية اثنتين وعشرين (22) دعامة، منها ما يفصل اليوم بين قسمي بيت الصلاة القديم والحديث ومنها ما هو موزع بين جدار القبلة والحيطان الغربية والشمالية. وتيجان هذه الأعمدة صنفان: تيجان تركية متكونة من أوراق الأكانتس تنتهي في الأعلى بشكل حلزوني بارز44 تاجان منها يحليان عمودي المحراب وخمسة تحلي سواري المسكبة الجنوبية الموازية لجدار القبلة، وتيجان حفصية هي بقية تيجان قاعة الصلاة العتيقة.
هذه السواري هي العنصر المعماري البنيوي المرتب لهذا الفضاء إذ تشكل نوعا من الشبكة، شبكة من المربعات المتقاطعة هي التي ينتج عنها عمليا انقسام حرم الجامع إلى مسكبات وبلاطات. وإلى جانب جماليته يتولى هذا الترتيب المعمد لقاعة الصلاة حمل عقود مقوسة في شكل أنصاف دوائر خالية من أية حلية تذكر سوى انشدادها إلى بعضها البعض بواسطة أربطة حديدية وخشبية سميكة تسمى وترات أو "قطاين"، صحيح أنها تقلل من مسحة الفضاء الجمالية ولكنها بالمقابل تحول دون انفراج الأقواس تحت ثقل الجدران التي تجمع السواري حسب خطوط مستقيمة تدعى بائكات.
وإذا كان الغالب في الجوامع العربية أن تكون البائكات متعامدة مع جدار القبلة فإنها قد تشكلت في هذا المعلم على نحو متقاطع تعامدت فيه هذه البائكات وتوازت مع جدار القبلة في نفس الوقت إلا أن انتظامها في اتجاه التعامد متواتر على عكس انتظامها في اتجاه التوازي الذي يبدو نسقيا ولكنه محكوم بمنطق التناوب، وكأن هذه البائكات حريصة على شد الزائر إلى اتجاه القبلة بحكم هذا التلاحق العمودي ولكن دونما خضوع لمفعول الجدران التحديدي ذاك الذي تبطله شبكة تقاطع البائكات توازيا وتعامدا مما يخلق حركية في جميع الاتجاهات. هذا أفقيا، أما عموديا فإن تلاحقها يفضي إلى تواري السقف بفعل منظومة العقود الجارية في الاتجاه المتعامد مع البائكات.
على هذه العقود يقوم السقف وهو خاضع لانتظامين مقبو ومسطح، القبو هو القاعدة، فالسقف المحدب يمثل نهاية جمالية معقولة للمبنى إذ هو بمثابة التتويجة التي تدل على أن البناء قد انتهى وهذا شأن قاعة الصلاة العتيقة في معظم أروقتها والاستثناء هو سقف القطائن المسطح الذي نجده في "رواقها الطفيلي": الرواق السادس. على أن ما كان استثنائيا في سقف الجامع التقليدي سيغدو أنمودجيا قياسيا في سقفه الحديث.
من جهة أخرى نلاحظ أن هذه القاعة - ولاعتبارات مناخية- مبلطة بالآجر الأصم أو الطوب وهو ما يعطي نوعا من المفعول التكييفي لمناخها إذ الآجر الأصم يمتص الحرارة صيفا ولا يبرد كثيرا في الشتاء وعلى العكس من ذلك جاءت أرضية القسم الشمالي الذي استدعى الارتجال في إنجازه تبليطه بالإسمنت.
وبالرغم من أن أرضية هذا الفضاء المعمد تعطي الانطباع بأنها مساحة محدودة فإن بساطها المنتظم بالحصير والزرابي والتكرار اللامتناهي للسواري فيها يمتص هذا الانطباع ويبعث الإحساس بالامتداد وانتفاء الحدود مما يبطل المفعول التحديدي للجدران والسقف ويكسب المكان روحا، إذ لا ينشد فيه الإنسان إلى اتجاه معين قدرا نشداده إلى المطلق ذلك أن الاتجاهات كلها تمسي لديه متساوية.
أفلا يفضي هذا الانفلات من قيود المكان إلى الإحساس بالسكينة والاطمئنان ويوفر شرط الأساس في عملية الصلاة وهو الخشوع ؟
ومن المهم أن نـنتبه إلى أن التوسعة التي مست المعلم ككل وقاعة الصلاة على وجه الخصوص بإضافة خمسة أساكيب كاملة إليها بكل ما ترافق مع ذلك من شبكة متقاطعة من الأروقة وغابة من السواري الدقيقة لم تمس في شيء وحدة المكان الأصلية بل زادت من قوة تأثيراتها الأولية بحكم توسع مساحة هذا الفضاء ودعمتها.
إذا ما دخلت من باب الصحن الأوسط قديما مثلما هو الشأن حديثا تجد نفسك في الرواق المتعامد مع جدار القبلة والممر المؤدي مباشرة إلى المحراب وهو في القسم الجنوبي من قاعة الصلاة آنق وأظهر من امتداده في قسمها الشمالي. تعلوه جوفا قبة حديثة يصل قطرها إلى ثلاثة أمتار عند تعامد هذه البلاطة مع الأسكوب الثالث شمالا تحملها أقواس وتوجد في أعلاها شمسيتان للإضاءة والتهوئة. هذا في الحيز المسطح أما الحيز القبوي فيشتمل على قبتين يفصل بينهما قبو مستطيل كأنما تشكل من اجتماع قبتين على زاوية قائمة45، قبة أولى ترتفع فوق الاسطوانة الرابعة من هذه البلاطة أما الثانية فهي قبة المحراب وتقع في الاسطوانة الأولى عند تقاطع هذا الرواق مع الأسكوب الأول الموازي لجدار القبلة وهي قبة نصف دائرية واسعة سامقة يدخل النور إليها من أربع نوافذ على شكل شمسيات خشبية مخرمة منفتحة في الجدار الاسطواني الذي يحملها وهي مرتكزة على أربعة عقود محمولة على أربعة أعمدة اسطوانية ذات تيجان تركية. وهذه القبة بسيطة لا تتميز بأية حلية زخرفية ذات بال ما عدا بعض التجويفات الركنية الصدفية المؤطرة بأحزمة من الطوب البارز والمشكاة المعدنية التقليدية التي تتدلى منها فضلا عن تشكيلة الألوان التي تعكسها ألواح زجاج نوافذ رقبة القبة المسماة شمسيات أو قمريات وهي الأخضر والأزرق والأحمر والذهبي، ولم تستدع هذه الألوان بالتحديد دون غيرها إلا لما لها من دلالات روحية في وجدان المؤمنين ومخيالهم إذ هي على حد تعبير عفيف بهنسي "ألوان الجنة كما وردت في القرآن الكريم: السندس الأخضر والاستبرق الأزرق والمرجان الأحمر واللؤلؤ الأبيض والياقوت الأحمر القاني"46. ومن ثمة يمكن اعتبارها من العناصر المعمارية التي تتظافر لتمكين الميسم الروحي في عمارة المعلم وتدعيم اقتران العمارة المسجدية بنظام شديد الانفتاح يشف عن قوانين الإبداع التي تحكم العقل المعماري الإسلامي. ويتجلى هذا النظام بالخصوص من خلال التقاء القبة بشكلها نصف الدائري مع بنيان الجامع المكعب، يرمز المكعب المستطيل إلى الأرض بجهاتها الأصلية الأربع وبالتالي فإنه "يعبر، حسب المرجعية الدينية عن المدى الجغرافي لملكوت الواحد47", كما يرمز إلى فصول الأرض الأربعة وعناصرها الأربعة : الماء والهواء والنار والتراب, وترمز القبة إلى السماء والمطلق وإلى العرش الإلهي المحيط, ويرمز تراكب المكعب مع الشكل نصف الدائري إلىالتقاء الأرض بالسماء واتصال العالم السفلي بالعالم العلوي واتحاد المحايث مع المفارق وبالنتيجة تعالق الذات الإنسانية مع الذات الإلهية48. وإذا كان الإنسان –لدى الإغريق- قد وجد في الدائرة رمزا للسماء لأنها ترسم حركتها ووجد في المربع رمزا للأرض لأنه أمثل شكل يعبر عن الصلابة والجمود والسكون فلا غرابة أن يرى المسلمون في قبة المسجد قبة السماء وأن يروا فيها نصف الكون وأن يجدوا في قاعة الصلاة النصف الثاني للكرة الكونية وأن يروا في شمسيات رقبة القبة أو قمرياتها "كواكب درية". و"هكذا يصبح المسجد كونا صغيرا سماؤه القبة وفضاؤه الصحن وكواكبه النوافذ والمشاكي" 49 .
-3-3-3 المحراب
المحراب50 عنصر معماري بنيوي احتاجه المسلمون ليكون مقام الإمام في قاعة الصلاة ومن هذا الموضع الذي يشير إلى القبلة ويحدد اتجاهها بدقة يتولى الإمام توحيد حركات القيام والتكبير والركوع والسجود والجلوس والتسليم وما إلى ذلك من الطقوس أثناء الصلوات الجماعية. ولأن المقام الطبيعي لمن يؤم الناس في الصلاة هو مقدمة الصفوف ووسطها وبالتالي محور الفضاء الذي يقف فيه فما كان للمحراب، تبعا لهذه الاعتبارات، إلا أن يكون في محور قاعة الصلاة ومن ثمة في صدر حرم المسجد وأرفع مكان فيه.
ولم يكن المحراب مجرد إشارة سطحية على جدار القبلة وإنما تجويفة في هذا الجدار ذاته إلا لاعتبارات تتعلق بإحكام استعمال الفضاء المتاح داخل حرم المسجد وعدم إهدار أية مساحة منه ذلك أن أية هيئة أخرى للمحراب ما عدا هذه الهيئة ليس من شأنها إلا أن تترك مساحات ضائعة في قاعة الصلاة هي المساحتان الواقعتان على يمين الإمام وشماله في الحين الذي يجنبنا موضع المحراب المضمن مثل هذا الضياع.
ولما كان دور المحراب بمثل هذه الأهمية من الناحية الوظائفية فقد كان من الطبيعي أن يكون من أكثر وحدات الجامع استقطابا وشدا للانتباه، يكفي للاستدلال على ذلك أن المجاز القاطع وهو الرواق الرئيسي في المسجد يفضي إليه وأن بلاطة المحراب هي أوسع االبلاطات وأولها من حيث طاقة الاستيعاب وأن أبرز القباب وآنقها عادة هي قبته وما كان لها أن تقوم في مكانها ذاك إلا لتدخل له الضياء والنور على السواء فتنيره وتسلط الأضواء على واجهته وتجعل من ثمة حضوره حضورا مميزا في فضاء قاعة الصلاة.
ومحراب جامع الباي، على غرار المساجد الإفريقية الأولى51، حنية ذات مسقط نصف دائري قطرها 2.20 م وعمقها 1.20 م وارتفاعها 3 أمتار ويحمل هذا المحراب قوسا حدوية (Arc en fer à cheval) تتكون من فقرات متناوبة/ مرقطة: بيضاء وسوداء كما هو الحال في الجامع العتيق المجاور وفي بقية مساجد الطراز العثماني مثل جامع يوسف داي وجامع محمد باي بالحاضرة.
وتقوم هذه القوس على عمودين رخاميين يعلو كل واحد منهما تاج من الطراز التركي، ويكتنف حنية المحراب وقوسه إطار مستطيل من الرخام الناصع مخرم ببعض الرسوم النباتية والهندسية ويحف بهذا الإطار يمينا وشمالا عمودان بنفس ارتفاع بقية أعمدة قاعة الصلاة يحملان بدورهما تيجانا تركية.
ولكن لماذا اتخذ المحراب شكلا نصف اسطواني في جزئه السفلي وآخر قبويا في قسمه الأعلى ؟
يبدو أن هذا الاختيار الهندسي وظائفي هو الآخر حجر الزاوية فيه توزيع صوت الإمام إلى جنبات قاعة الصلاة وإيصاله إلى جميع المصلين في حرم الجامع إذ من المعلوم أن "الشكل نصف الاسطواني للتجويفة وسقفها ذا المساحة الدائرية يعين على إرجاع صوت الإمام إلى الخلف لتوزيعه على مسامع المصلين المصطفين وراءه".52
ومن المهم أن نشير إلى أن هذا المحراب قد ظل -عموما- محافظا على مواصفاته المعمارية التأسيسية إذ لم تطرأ عليه تغييرات جوهرية ما عدا غشاء الجليز الخزفي الأبيض ذي البريق المعدني الذي حل في جزئه السفلي محل اللوحات الرخامية القديمة التي أتلفت بمفعول انفجار قنبلة من مخلفات الحرب العالمية الثانية مما يجعله بزخارفه وتحليته من أبرز ما في هذا الفضاء المعماري من وحدات.
-3-3-4 المنبر
المنبر مرقاة الخطيب وإنما سمي منبرا لارتفاعه وعلوه، اتخذ هذا الشكل حتى يمكن الخطيب في الجمعة والعيدين من الارتفاع قليلا على جمهور المصلين بحيث يحتل موقعا يرونه منه جميعا ويتمكن هو من الإشراف عليهم بنظره.
ومنبر هذا الجامع جزء من عمارة المعلم ولم يكن المنبر على هذه الشاكلة إلا لأن المسجد حنفي وعادة الأحناف على عكس المالكية ولا سيما مع مجيء العثمانيين الاستغناء عن المنابر المتحركة واتخاذ الثابت والقار منها53 . ومن ثمة فإنه من أكثر العناصر المعمارية البنيوية في هذا الفضاء تعبيرا عن إعلان الطراز التركي عن حضوره بكل وضوح داخل المجال الإفريقي54 .
هو إذن منبر تركي يحاكي محاكاة تامة منبر جامع حمودة باشا المرادي بالعاصمة، بني إلى جدار القبلة بالحجر وهو مكسو من جميع جوانبه بألواح من الرخام المحلي طوله 4 م وعرضه 1 م في حين يصل ارتفاعه إلى 2.80م. يتميز رسمه التخطيطي بمدخل ومصعد ومجلس :
1- مدخل رخامي يصل ارتفاعه إلى 2.80م ينتهي بقوس حدوية / نصف دائرية متناوبة الفقرات / مرقطة على غرار قوس المحراب، تقوم على عمودين من الرخام (1.75م) تاج كل منهما من الطراز التركي. وفوق هذا العقد يرتفع قوس يحمل تاجا يتضمن كتابة تتمثل في الشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله وهي كتابة تحاكي تلك التي نشاهدها مثلا في منبر جامع يوسف داي ومنبر جامع محمد باي بالعاصمة. وتقتعد التاج مزهرية نباتية سوداء مزخرفة.
2- مصعد حجري : يصعد الإمام عبر المدخل سالف الذكر معتليا درجات السلم وهي سبع درجات. يزين درجات هذا السلم في أسفل كل جانب من الوسط باب ذو ساكف مستقيم وقوس مفرغة / كوة مقوسة (قطرها 1م) بعقد مثل عقد المحراب، وعقد باب المنبرمتناوب الفقرات وعلى جانبي المنبر يجري شريط زخرفي يتكون من وشاحين أسودين متحابكين.
3- مجلس تنفتح عليه من جهة القبلة شمسية بلورية محمية بالحديد المشبك وينتصب عليه جامور مماثل لجامور أعلى المئذنة هرمي الشكل يحتوي على أربعة أعمدة صغيرة تحمل عقدا منفرجا كقاعدة للقوس التي تحمل الجامور.
-3-3-5 الســـــــــــدة55
تشغل السدة في هذا المعلم كما هو شأن المساجد الهامة، ولا سيما منها تلك التي تستقبل في صلاة الجمعة والعيدين أعدادا من المصلين تفوق طاقة استيعابها حيزا مهما من قاعة الصلاة. على أن السدة في جامع الباي لم تنشأ عن ضرورات الفضاء، فهذا من احتياجات الجامع المتأخرة، وإنما أملتها بالأساس تقاليد معمارية لازمت مساجد الطراز العثماني وهذا ما ينطبق بالخصوص على السدة الأصلية القديمة في هذا المعلم وتعرف بسدة المؤذنين وقد كانت تسمى قديما سدة الخوجات ومازالت آثار التسمية الأخيرة ما ثلة في المعجم الشعائري المحلي من خلال مصطلح التخويج وهو عبارة عن أدعية تقال عند رفع الأذان لصلاة الجمعة كان الخوجات56 يتولون تلاوتها باللسان التركي في المساجد الحنفية من هذا العلو57 .
تقع سدة الخوجات على غرار نظيرتها بجامع محمد باي المرادي بتونس في الاسطوانة الثانية من قاعة الصلاة عند تقاطع الرواق الثاني الموازي لجدار القبلة مع الرواق الثاني المتعامد غربا مع هذا الجدار نفسه مباشرة قبالة المنبر. يصعد إليها بأدراج خشبية متجهة نحو القبلة ويمتد على مساحة مادتها الخشبية (3.7م × 3.25م) فضاء مزخرف بشرفات على ارتفاع نصف متر حليتها من أوتاد مخروطة مؤطرة. وتتنزل هذه السدة في مستوى أسفل تيجان الأعمدة بحيث تظهر تيجان الأعمدة فوق أرضيتها وهي ترتكز على أعمدة خشبية ارتفاعها ثلاثة أمتار يدعمها مربع من السواري. إنها واحد من العناصر المعمارية الجديدة التي أدخلها الأتراك على عمارة المساجد بالبلاد التونسية لم يكن لها من قبل.
وإذا كان نداء الصلاة الأول يوم الجمعة من كل أسبوع ينطلق من أعلى المئذنة فإن الأذان الثاني الذي ينطلق عند ارتفاع الإمام الخطيب على المنبر يتولى رفعه المؤذن من أعلى هذه السدة ليفسح على إثر ذلك المجال الأذان الثالث والأخير وهو أذان الإقامة الذي يسبق الشروع في الصلاة مباشرة. وإذا كانت بالمسجد سدتان أخريان أولاهما تقع في القسم الجنوبي الشرقي من قاعة الصلاة على امتداد البلاطة السادسة وتحتل ثانيتهما، وهي شمالية الموقع، كامل المسكبة الأخيرة من حرم المسجد جوفا فإنهما لا تثيران الانتباه إلا باختلاف موادهما الإنشائية ومداخلهما، فالأولى خشبية بنفس مواصفات سدة الخوجات ولكن بأبعاد مختلفة يتم الصعود إليها بواسطة مدرج خشبي من داخل بيت الصلاة وهي مخصصة لصلاة الرجال أما الثانية فهي من الخرسانة وقد أجريت عليها تعديلات بحيث أصبح النفاذ إليها يتم رأسا من الطريق العام عبر باب مستقل مما أعطى هذا الفضاء ميسم طابق أول مخصص لصلاة النساء.
-3-3-6 عناصر مسجدية أخرى
حينما تدخل المعلم من بابه الجنوبي الشرقي تجد نفسك في البلاطة السادسة التي يغطيها كما سبق أن ألمعنا إلى ذلك سقف مسطح وهي لا تشد الانتباه إلا بالمكونات الإنشائية لتوزيع الفضاء بداخلها، فقد استعمل المعماري حواجز خشبية للفصل بين ثلاثة فضاءات، فضاء الكتاب الذي كان متصلا بقاعة الصلاة القديمة في ركنها الشمالي الشرقي، ولم يبق له اليوم أي أثر، وفضاء أوسط فسيح مفصول عن حرم المسجد موصول به في الوقت نفسه اتخذ له جدرانا من الخشب المزخرف بطاقات من المفصصات المفرغة لعله قد كان مخصصا للتدريس خاصة أن جامع مراد باي الحنفي قد شهد خلال القرنين XVII و XVIII نشاطا تعليميا يمكن أن نقول إنه كان منظما. أما الفضاء الثالث والأخير المعروف بالمقصورة، سميت كذلك لأنها قصرت على الخاصة دون عامة الناس، فيبدو أنه كان مخصصا لصلاة الوالي والخواص وقد يكون مخصصا كذلك لصلاة العباد والزهاد والمعتكفين إنه عبارة عن مصلى صغير في أقصى الركن الجنوبي الشرقي من قاعة الصلاة يدخل إليه من باب خاص شمالي المفتح يتوسط حواجز خشبية على شاكلة سابقاتها من حيث المقاسات والزخرفة ويتصل ببلاطة المحراب بباب آخر غربي وكأنما اتخذت هذه المقصورة موقعها الطرفي من حرم المسجد لاعتبارات أمنية ووظيفية وأخرى شرعية، فهي بموقعها ذاك متصلة بالباب الخارجي الأوحد الموجود في قاعة الصلاة القديمة مما يساعد على تأمين سلامة الوالي أو العاهل عند أي إحساس بالخطر وإجلاء الخواص بأقصى سرعة ممكنة وهي منفصلة عن قاعة الصلاة تسهيلا لعمليات الدخول والخروج دونما تخط للرقاب أو اجتياز لصفوف المصلين. وإنما اتخذت موقعها الطرفي الركني أيضا حتى لا تقطع الصف الأول وتحول دون الرؤية والمشاهدة ويسقط من ثمة حكم كراهية الصلاة فيها58 .
ومن أجمل العناصر التي نشاهدها في قاعة الصلاة إلى يوم الختمة القرآنية الخشبية وهي عبارة عن صوان قليل الارتفاع ترتب برفوفه الكتب، منضدة مستطيلة أفقية وضعت عليها صناديق خشبية ذات أقفال هيئت لحفظ ما كان يحبس من مصاحف مخطوطة على الجامع وطاقم القراء الذي كان مرتبا به59. وإلى جانب الختمة ينتصب كرسي وثير هو عبارة عن مقعد خشبي ذي ظهر ومرفقين يتسع لشخص واحد وأمام هذا الكرسي مقرأ. وفي هذا شاهد على أنه بعض من أثاث المسجد المنقول الخاص بالقراء / المقرئين والوعاظ وقد جرت العادة على اعتلاء مقرىء الجامع القار لهذا الكرسي لتلاوة "آيات بينات من الذكر الحكيم" تأهيبا لصلاة الجمعة.
-3-4 الصومعة
الصومعة هي المصطلح الشائع في اللغة المحكية بالبلاد التونسيبة للدلالة على المئذنة ويبدو أن هذه التسمية قد كانت موجودة وبالمعنى نفسه في المعجم المعماري الديني ليس في إفريقية فحسب وإنما أيضا بكامل المغرب الإسلامي60 رغم أن أصل التسمية مشرقي إذ تشير النصوص إلى أن كلمة صومعة كانت تدل على بناء مربع أقرب إلى الأبراج في ضخامة هيئته وذلك على عكس المنارة التي كانت أصغر حجما وربما أقل ارتفاعا كما أنها كانت مستديرة أو مضلعة على غرار المنارات التي نشاهدها إلى اليوم في الرباطات البحرية كمنار قصر الرباط بسوسة ومنار رباط هرثمة بن أعين بالمنستير. وعلى هذا الأساس فلعل"المآذن نشأت عن الصوامع/ الأبراج والمنائر ثم امتزج الطرازان معا فظهرت مآذن المساجد الأولى"61 كما في مئذنة جامع عقبة بن نافع بالقيروان التي لا تعتبر من الناحية المعمارية مرجعا قياسيا بالنسبة إلى بلاد المغرب فحسب وإنما أيضا بالنسبة إلى العالم الإسلامي برمته62 . ومهما يكن من أمر فإن القطع المربع سيبقى العنصر المعماري المفتاح في مآذن الطراز المغربي ولذلك ظلت أغلب المآذن في البلاد التونسية حتى مجيء العثمانيين ذات نمط موحدي وهو النمط الذي يسميه مؤرخو الفن المعماري الإسلامي موريسكيا مغربيا.
توجد صومعة جامع الباي بالزاوية الشمالية الشرقية من الصحن العتيق وقد صارت حاليا مندمجة في فضاء بيت الصلاة. ولم تتخذ الصومعة موقعها هذا وهو موقع مختلف عن موقع مئذنة الجامع الكبير الواقع في الجوار أي الزاوية الشمالية الغربية من الصحن وموقع مئذنة جامع عقبة بن نافع بالقيروان أي قبالة المحراب مباشرة إلا لأنه ليس للصومعة موقع معين في مخطط الصحن، ذلك أن هذا الموقع يختلف حسب إمكانات مشاهدتها من مختلف مسالك المدينة وأرباضها وهذا ما يتوافق مع بعض أدوار المئذنة، فإلى جانب دورها الوظائفي في إبلاغ نداء الصلاة تكبيرا وشهادة بوحدانية الخالق وهو النداء الذي يتجاوز الصفة المكانية لهذا المبنى "لينتشر في أكبر مساحة من الحيز الروحي للنسيج العمراني" تقوم الصومعة بدور رمزي يتمثل في الاستدلال على فضاء الجامع في المدينة ولا يتكرس هذا الدور غالبا إلا بانفتاح الصومعة وإشرافها على فضاء مفتوح كالطريق العام وهذا مثل صومعة جامع الباي فضلا عن ضرورة مشاهدتها عن بعد.
تتكون الصومعة من قسمين أساسيين :
- القسم الأول هو البدن ويتمفصل إلى ثلاثة أجزاء هي القاعدة والجذع ورأس البدن، وهذا القسم هو أسفل المئذنة.
- القسم الثاني هو المنارة ويتشكل من جزأين هما الشرفات والجوسق أو الجامور بالاصطلاح المحلي وهو رأس المئذنة ويكون بالطبع في أعلاها.
ترتفع مئذنة جامع الباي في الجو ثمانية عشر مترا (18م) في شكل متوازي المستطيلات، فهي على هذا وإن كانت متوسطة الارتفاع63 مبنى يكاد أن يكون بحجم عمارة حديثة من ستة طوابق. وهي تقوم على قاعدة مربعة ( 4م × 4م) مبنية مثل جدران كامل المعلم بالحجارة. أما جذع هذا البدن فهو بنفس مقاسات قاعدته ورأسه أضلاعا وارتفاعا، على أن ابتناءه قد كان بالآجر الأصم وعلى هيئة متميزة في تخطيطها وتشكيلاتها. وهذه المواد الإنشائية تتصاعد في كل جانب من جوانب الصومعة عموديا في صورة سلسلتين تتظافران لتأطير طبقات من الحجارة الصغيرة المتراصفة تصاعديا تتناوب فيها مربعات ثلاثة ومستطيلات ثلاثة يفصل بين الواحد منها والآخر أفقيا صفان من الآجر ويتوج هذا القسم عند انتهائه بحزام من الآجر البارز، ونظرا إلى ما يتطلبه هذا الجسم من إضاءة وتهوئة فقد افتتحت فيه كوتان على هيئة مفتح مفتاح إحداهما شرقية والأخرى قبلية أحاط بكل منهما إطار من الجليز الخزفي الملون، إنها حلية على تزهدها في الزخرفة وبساطة فنها المعماري رائعة التناسق جميلة التوافق بديعة الإحكام في نسق من التناوب بين البناء بالآجر والبناء بالحجر. يأتي بعد ذلك رأس البدن ويقع بين جذع الصومعة وشرفاتها وهوبنفس مواصفات القسم السابق إلا أنه مكسو بالجير الطبيعي ولا يرتفع إلا ثلاثة أمتار ولا ينفصل عما فوقه من المكونات المعمارية إلا بحزامين من الآجر البارز القائم. وعند نقطة تقاطع مستقيمات رأس البدن تنفتح شرفات الأذان وعددها ثمان تتوزع توائم وفقا للجهات الأربع وهي عبارة عن فتحات حدوية ثنائية العقود يجمع بين كل اثنين منها عمود صغير الحجم يقتعده تاج تركي مصغر.
وأخيرا تبلغ أعلى الصومعة فتدرك القسم المصطلح على تسميته بالمنارة وهو متوازي سطوح منتظم قائم يعلوه هرم قرميدي مربع، شرفة تفتح على الجهات الأربع الموافقة لأضلع القطع المربع، عواليها مشرفة على هيئة مقطع أهرام مدرجة وحدات زخرفية من الآجر متراصة كأنها إطار أعلى أشبه ما يكون بتلك العناصر الزخرفية التي تحلى بها تيجان الملوك، تتوالى وتتجاور على نمط واحد على طول واجهات الشرفة إنها الشرفات أو عرائس السماء التي نشاهدها في أغلب مآذن الطراز الموحدي ويعرف أيضا بالطراز الأندلسي المغربي وهي ترمز بشكلها المتقابل القائم على التناوب بين التصاعد والتنازل إلى التحام الأرض بالسماء واتصال الجامع بأهداب العرش الإلهي64 .
وعند منتهى هذا البرج ينتصب الجوسق أو الجامور بارتفاع خمسة أمتار (5 م) وهو جسم متوازي المستطيلات طول ضلع المربع فيه متران (2 م)، في أعلاه قبة هرمية مكسوة بالقرميد الأخضر تنتصب فوقها ثلاث كرات أو تفافيح نحاسية في ترصيف متصاعد من الأكبر إلى الأصغر تتوجها راية معدنية يقع فوقها مباشرة هلال يعانق السماء. تعبر الكرات عن الأفلاك والكواكب أما الهلال فهو رمز للإمبراطورية العثمانية وشعارها وهو مع الراية من العناصر الزخرفية التي أضافها الأتراك وعمموها على جميع المآذن التي كانت موجودة بالبلاد قبل الحضور العثماني.
يتم المرور إلى المئذنة عبر باب صغير مستطيل (1.50م × 0.70 م) صار اليوم قبلي المفتح ويفضي هذا الباب إلى ردهة يرتفع منها سلم حلزوني متقن البناء ينتهي عند شرفات الأذان ثم يستأنف حركته التصاعدية إلى أن يبلغ الجوسق ويتكون هذا السلم من اثنتين وخمسين (52) درجة يكتنفها حائط اسطواني ويدور معها في حركة لولبية حيث تدور. هذه الأدراج اللولبية الداخلية تغني روحانية هذا العنصر المعماري ذلك أنها في حركتها التصاعدية إلى ذروة المئذنة حيث القبة رمز السماء أوفى مثال للتعبير التصاعدي باتجاه ملكوت الفضاء والتعالي عن كثافة المادة إلى رحاب الملأ الأعلى. بل إننا لا نجازف حين نذهب إلى أن مسار المرتقي في هذا البناء التصاعدي، بما هو مسار لولبي، يذكر بمسيرة الطواف حول الكعبة مع اختلاف في تعظيم الفضاء من الخارج إلى الداخل، وإذا كان في الطواف رسم ضمني لدائرة وفي هذه الدائرة تعبير عن الكمال المطلق فالظاهر أن في مسار التصاعد اللولبي تكريسا للمقاصد ذاتها.
فالمئذنة مكون معماري يشق عنان الفضاء وكأنه "يريد أن يفتح له في السماء بابا". إنها على تطاولها وسموقها وشموخها وحضورها المهيب لا تطلب التوقف عند نقطة نهاية "ومن أعلى ذروتها تتأمل العالم الخارجي وقد انتشر عند أقدامها إنها عقدة الوصل بين الفضاء الداخلي حيث يقع تعظيم شعائر الدين والفضاء الخارجي حيث يدوي صوت المؤذن بالنداء إلى الصلاة. وبهذا تصبح المئذنة بهيئتها الرمزية تجسيما ماديا لهمزة وصل بين عالمين وبين فضاءين"65.
ومهما يكن من أمر فمن المهم أن نشير إلى أن مئذنة جامع الباي قد انزاحت في شكلها العام عن مآذن الطراز العثماني ذات الشكل المثمن غالبا ولم تحضر فيها بصمات الفن المعماري التركي إلا في حلية قبة الجوسق الخزفية وما علاها من تفافيح وراية وهلال. بل إنها بشكلها المربع وطرازها الموحدي تجد مرجعيتها في الأنموذج المعماري الإفريقي الصميم ويكفي للاستدلال على ذلك أوجه الشبه الكبيرة التي تجمع بينها وبين المئذنة القديمة للجامع العتيق66 وهي إلى ذلك تحمل في نظامها الإنشائي ولا سيما في مستوى جذع بدنها تأثيرات موريسكية67 مما يفضي بنا إلى القول بأن في التأثيرات التي هيمنت على نمط هذا المبنى امتزاجا بين طرز مختلفة وتجاورا بين مدارس في الهندسة المعمارية الإسلامية متمايزة سيتمحض عن اعتمالها وتفاعلها الطابع الخصوصي للعمارة الدينية بالبلاد التونسية.
1 –يستخلص من ملاحظات البكري أن هذا الربض ظهر بعد القرن XI/IV وليس أدل على وقوعه خارج نواة البلد القديمة فضلا عن اسمه من الباب الذي كان يفتح عليه ويتم منه النفاذ إلى داخل البلد وهو باب المدينة الذي كان قائما في أوائل القرن XX/XIV وما تزال بقاياه مشاهدة إلى اليوم في أقصىالركن الجنوبي الغربي لجدار قبلة الجامع الكبير.
2 –هي عشرة أبواب : باب العين، باب السوق، باب الجنايز، باب السبعة، باب الجديد، باب الرحبة، باب خلاء، باب خننو ، باب المدينة وباب الجديد الفوقاني.
3 –ما تزال بقايا هذا السور، وعمارته بالأساس بيزنطية، ماثلة إلى اليوم بالنهج المعروف باسم نهج تحت السور وقد كان مدعوما بثلاثة وعشرين برجا مربعا تمت إزالتها جميعا أوائل ستينات القرن الماضي توسيعا للطريق العام؟!.
4 –نشأ هذا الربض حول جامع كان يعرف بجامع الخطبة – اضمحل اليومولم يبق منه إلا محرابه- وقد كان في حالة تداع في أواخر عشريات القرن XX وفي جواره يرقد ابن عبد السلام الباجي" الفقيه الزاهد" وهو من رجالات القرن السابع.
5 –هو الربض الذي ظهر قبيل القرن XVII حول واحدة من أهم زوايا التصوف السني بالبلد هي زاوية علي المغراوي وبها أضرحة ثلة من العلماء من آل المغراوي هم محمد المغراوي بن جمال الدين "الشيخ المدرس" وصالح المغراوي قاضي المحلة ومسعود المغراوي عالم المنطق وامحمد المغراوي القاضي المدرس وعبد القادر المغراوي كبير أهل الشورى.
6 –يختلف هذا الأنموذج الترتيبي لمبنى الجامع وهو الأنموذج الذي نشاهده في جامع الزيتونة لتونس مثلا ويمثله بالنسبة إلى مثال مدينة باجة جامع أحمد الجزار عن الأنموذج السابق ويشكلان عامة الأنموذجين اللذين يخضع لهما الترتيب العمراني للجامع العربي.
7 –أزيلت القنطرة الجوفية خلال أعمال التوسعة التي شملت المبنى في أواسط السبعينات وكانت القنطرة القبلية قد سقطت في أوائل الستينات ولم تتم إعادة بناء تلك ولا هذه .
8 –هي سوق النحاس وسوق اللفة وسوق الحدادين.
9 –هو واحد من "خمسة حمامات" بمدينة باجة العتيقة ذكرها البكري "ماؤها من العيون" راجع المسالك والممالك ص 189 كان موصولا بعين الشمس بصهاريج عميقة عايناها عند تجديد هذا المبنى التاريخي سنة 1991 .
10 –أقيم هذا السبيل سنة 1215 /1800 تثبت ذلك اللوحة التذكارية المثبتة في واجهته. أنظر عنه مقالنا : سبيل باب العين معلما معماريا الصباح 10/11/2003 وسبيل باب العين هو نفسه سبيل يوسف صاحب الطابع.
11 –هدمته بلدية المكان سنة 1960 توسيعا للطريق العام ؟!
12 –ظهرت هذه المنشآت المائية بالكامل في أواسط التسعينات.
13 –كان موجودا في القرن XIII/VII وهو اليوم غير معروف أشار إليه ابن الطواح في سياق ترجمته لأبي محمد الهرغي (كان حيا عام 668/1269) -وهو من صلحاء البلد- ، كان شبان البلد وكهوله يخرجون إليه "أخذا للعلم". ابن الطواح، سبك المقال تح . م.مسعود جبران ص 105 .
14 –هو مراد باي بن حمودة باشا بن مراد باي الأول : ثالث أمراء الدولة المرادية تولى الحكم يوم الأربعاء 9 شوال 1076 / 5 أفريل 1666 واستمر في السلطة إلى وفاته أواخر 16 جمادي الأولى 1086 /8 أوت 1675 ، انتهج على غرار والده سياسة بناء وتعمير وتنظيم للبلاد تجلت بالخصوص في المنشآت الروحية والعلمية وتعزيز شبكة المواصلات راجع ابن أبي الضياف: الإتحاف ج 2 ص ص 54-55 .
15 –هذه المصادر حسب ترتيبها التاريخي هي : ابن أبي دينار: المؤنس ص 272 ، خوجة (حسين) : ذيل البشائر ص 98، الوزير السراج: الحلل السندسية ج 2 ص 448 ، مقديش (محمود): نزهة الأنظار ج2 ص 135.
16 –ابن أبي الضياف: الإتحاف ج 2 ص 77.
17 –عبد السلام (أحمد): المؤرخون التونسيون ص 44 .
18 - Bonnenfant (P): Béja de la conquête musulmane à 1881 p 22
19 –الهيلة (م.ح): مفاتح النصر للعياضي الباجي مقدمة المحقق النشرة العلمية للكلية الزيتونية العدد 4 السنة 4، 76 –1977 ص 103.
20 – نفترض وجود هذا الرسم بناء على قول ابن أبي دينار : "ومن محاسنه(مراد باي) إنشاؤه مسجدا ببلد باجة من أحسن المساجد وجعل أمامه من الطائفة الحنفية وأوقف عليه ما يحتاج إليه" المؤنس ص 272 واعتمادا على ما جرت عليه العادة من تأمين حاجيات مثل هذه المنشآت من خلال ما يوقف عليها من ممتلكات.
21 –الأرشيف الوطني الصندوق الدفتر 3992 وقد جاء في طالع هذا الرسم وهو نسخة من أصل مؤرخة بأواسط محرم 1177/ 1763 "بعد أن كان أبو عبد الله محمد باي أنشأ مدرسة قبلية الباب مجاورة لجامع والده مراد باي خارج باب العين أحد أبواب باجة..."
22 –أخطأ بوننفان في تنصيصه على أن الأتراك بنوا جامعهم الحنفي بباجة في نهاية القرن الثامن عشر . بوننفان: مصدر مذكور سابقا ص 22 .
23 –أول هذه الجوامع ذكرا عند حسين خوجة هو المسجد الحنفي بقابس يليه المسجد الحنفي بباجة ولسنا نعلم هل أن في النص ترتيبا زمنيا أو أن في الأمر اعتباطا. خوجة (حسين): ذيل البشائر ص 98. والترتيب نفسه نجده في كل المصادر سابقها ولاحقها.
24 –راجع رسم تخطيط الجامع الحنفي بباجة لعام 1968 مركون بأرشيف المعهد الوطني للتراث (المخرط والمقاطع) تصميم محمد .ج. محجوب.
25 –تم هدم القسم الأكبر من هذا المعلم التاريخي بقرار بلدي في أواسط السبعينات ارتأى للمبنى الإزالة بحكم التقادم وطول العهد وانتفاء الوظيفة بدل التعهد والصيانة والترميم. ولم يبق اليوم من المدرسة المذكورة سوى ثلثها تقريبا أي الجانب الغربي منها وقد تحول إلى محلي سكنى ما تزال بعض حجرات المدرسة ماثلة بهما. وتجدر الإشارة إلى أن مدرسة محمد باي قد ظلت وظيفية إلى تاريخ إلغاء التعليم الزيتوني ذلك أنه لما تم بعث الفرع الزيتوني بباجة سنة 1947، وكان مقره بالجامع الكبير، استغل مبنى المدرسة من جديد لسكنى الطلبة.
26 –يستثني من هذه القاعدة جامع الأبواب الثلاثة الذي ابتناه محمد بن خيرون عام 252/866 بالقيروان والجامع الكبير بصفاقس (بني عام 236/850 ) ويتميزان بواجهتيهما الخارجيتين المزخرفتين.
27 –يلاحظ ذلك بوضوح خاصة بتونس العاصمة ولا سيما بالجامع اليوسفي وجامع حمودة باشا المرادي بالقصبة وجامع محمد باي المرادي (جامع سيدي محرز بباب سويقة) وكذلك في جامع يوسف صاحب الطابع بالحلفاوين.
28 –مصطلح أنتروبولوجي اخترعه روني جيرار (Gerard) استعمله محمد أركون في كتاب الإسلام الأخلاق السياسة
La surenchère mimétique .
29 –انظر : جامع الحواريين الأرشيف الوطني السلسلة D الصندوق 4 الملف 8 (أيمة) والصندوق 127 الملف 4 (مشايخ الطريقة العيسوية) بنفس السلسلة.
30 –راجع : زاوية المغراوي الأرشيف الوطني السلسلة D الصندوق 4 الملف 14 (أيمة ) الصندوق 75 الملف 16 (الزوايا) بنفس السلسلة.
31 –الكذان أو الكذال : نوع من الحجارة الكلسية يتميز بمقاومته الكبيرة للتعرية وقابليته لاختزان الماء والمحافظة على الرطوبة بالإضافة إلى قدرته على مقاومة الضغط المسلط عليه تصل إلى 65 كغ/ صم2 .
32 –راجع : SAMB (A) :Article MASDJID in E.I NE T.VI pp 629-695
33 –وثقتها الصور الفوتوغرافية وخاصة رسم تخطيط الجامع الحنفي المركون بأرشيف المعهد الوطني للتراث وقد سبقت الإشارة إليه.
34 –يستثنى من ذلك مثلا جامع عقبة بن نافع بالقيروان وتتكون فيه كل مجنبة من مجازين / بلاطتين مزدوجتين من كل جانب .
35 –مثلما سنرى لا حقا ولا سيما في العناصر المعمارية التي تؤثثه : المنبر والمحراب وأعمدة قبة المحراب والدكة / السدة بالخصوص.
36 –الغالب على الظن أن المهندس المعماري الذي نفذ هذا التصميم اضطر إليه اضطرارا نظرا إلى ضيق قطعة الأرض التي أتيحت له لإرساء المبنى.
لا يعود ذلك إلى ضرورات الفناء وإنما إلى أسباب عقارية فقد كان من المزمع ابتناء الميضاة الجديدة كسابقتها ملحقة بجسم الصحن لا مندمجة فيه ومتصلة به في الوقت نفسه وذلك في القسم المتبقي من المدرسة المرادية إلا أن ذلك لم يتم لأسباب تتعلق بعدم تيسر الاستجابة للشروط التي وضعها المتسكنون لإخلاء المكان.
37 - سورة البقرة آية 144، انظر : King (D.A): article Kibla in E.I NE TV pp 84-91
38 –الموسوعة العربية العلمية، فصل مسجد ج 23 ص ص 180-205.
39 –نفس المرجع السابق.
40 –هي البلاطة الشرقية القصوى في قاعة الصلاة وتشهد عناصرها المعمارية على أنها إضافة لم تكن موجودة زمن تأسيس ثم ضمت في وقت لاحق لا نعرف تاريخه إلى حرم المسجد.
41 –PLAN EN "T" : يتمثل غالبا في رواق أوسط أعلى وأوسع من بقية الأروقة يتعامد مع الرواق العرضي الموازي لجدار القبلة وعند نقطة التقاء هذين الرواقين ترتفع قبة المحراب مما يعطي لهيكل المبنى العام شكل حرف "T" اللاتيني.
42 –راجع : 250 Papadopoulo (A): L'islam et l'art musulman p.
43 –يبلغ ارتفاع الواحدة منها 2.80 م ومحيطها 0.83م قواعدها اسطوانية وتيجانها إما تركية وإما حفصية أما أبدانها فمن الرخام المحلي غير الرفيع المعروف بالكذال.
44 –يذهب مارسي إلى أن هذا الصنف من التيجان عمل تأثيرات حفصية وأخرى كورانثية ويبدو أنها صنعت في إيطاليا خصيصا للبلاد التونسية. أنظر MARÇAIS (G) Manuel de l'art musulman p 904
45 –ينفرد بمثل هذا النوع من الأقبية داخل الفضاء العمراني لمدينة باجة العتيقة معلمان هما مسجد الحوارين (القرن XVII/XI) وزاوية سيدي بلقاسم الصمادحي (القرن XVIII/XII) .
46 –البهنسي (عفيف): المدلولات الروحية في عمارة المساجد. عالم الفكر العدد 2 المجلدا أكتوبر – ديسمبر 2002 ص 142.
47 –نفس المصدر السابق ص ص 124 –125 .
48 –ENCYCLOPEDIE HACHETTE . 2001 . DVD-ROM
Rolland (A): Minaret et mosquée, Les cahiers de sciences et vie n°714 oct 2002 p p 22-27
49 –البهنسي نفس المصدر السابق ص ص 123-127.
50 - راجع : Fehérvari (G): article Mihrab in E.I NE T VII pp 11-12.
51 –Mahfoudh (F):L'installation du Mihrab en Ifriqiya et son évolution jusqu'au XI siècle IBLA 1991. t.55 n°168 p p 263-279
52 –بلحسين (محمد رضا)، الخصوصية في المعمار : محاولة في مقاربة تاريخاوية لفضاء الجامع ص 255 ، هذا وتقوم الدارات أو التفصيصات الصدفية التي تنتظم تجويفة المحراب على مستوى رأس الإمام كما هو الحال في الجامع الفاطمي بالمهدية بدور الصناديق الرنانة إذ تكثف من أحزمة صوت الإمام المنعكسة وتدعم كثافة توزيعها.
53 –راجع : Golmohammadi (J): article Minbar E.I NE T VII pp 74-81.
54 –منابر الطراز الإفريقي جزء من أثاث المسجد المنقول وتتخذ عادة من الخشب الرفيع وفي طليعة نماذج ذلك منبر جامع عقبة بن نافع بالقيروان وهو من أقدم المنابر الموجودة في العالم الإسلامي ويعود إلى سنة 9-246/63-856 ومنبر الجامع الكبير بصفاقس وهو باكورة سلسلة المنابر المتحركة بإفريقية وبلاد المغرب أقيم عام 235/849 ومنبر جامع الزيتونة بتونس ويرجع إلى سنة 250/865 .
55 –راجع : 649 TVI p Samb(A):article Masdjid (L'estrade ou Dakka) in E.INE
56 –الخوجات : ج خوجة وتطلق في اللسان التركي على القارىء /العالم/الكاتب وآخر هؤلاء الخوجات محمد صالح بن امحمد بن يوسف والطاهر بن امحمد بن يوسف وحمادي مبزعية ويوسف الزغبي ومازالت عادة التخويج قائمة إلى اليوم ولكن باللسان العربي على أن هذه الابتهالات تتردد بين الفراغ من الأذان وصعود الإمام على المنبر كما أنها تتردد إثر الانتهاء من الصلاة.
57 –ابن الخوجة (محمد) : معالم التوحيد (ذيل في ذكر أحوال خاصة بجوامع الحنفية ) ص ص 224-232 .
58 –الزركشي : إعلام الساجد بأحكام المساجد ص 375 نقلا عن حسين مؤنس، المساجد ص ص 148-149.
59 –تلاشت مخطوطات جامع الباي في معظمها ليس "بمفعول المطر" هذه المرة وإنما قطعا "بأيدي البشر" ومنها مصحف في سفر واحد يعود إلى القرن XVII حبسه على الجامع شخص يحمل لقب البوني. تبخر المصحف أوائل التسعينات ولا يوجد اليوم بالمسجد إلا
- مصحف 1/1 محبس بتاريخ 20 شوال 1251/1835، الناسخ: أحمد بن محمد الزلال. مسطرة 37.5 × 27
- مصحف في ثلاثين جزءا 30/30 . المحبس : سليمان بن محمد الجريدي بتاريخ 3 رمضان 1319 /1901 نسخ : محمد بن عمري وحمادي النوري. مسطرة (25 × 17).
60 –أنظر : Hillenbrand (R): article Manara in E.I NETVI p p 345-352
61 –مؤنس (حسين): المساجد ص 130.
62 –شافعي (فريد): العمارة العربية في مصر الإسلامية ج1 ص 647 حيث يقول :"أغلب ظننا أن جميع مآذن العالم الإسلامي كله في العصر المبكر كانت تتبع تكوينا معماريا مشتركا ومشابها لمئذنة القيروان أو قريبا منها."
63 –هي كذلك بالقياس إلى معدل ارتفاع المآذن التونسية التاريخية فارتفاع مئذنة جامع عقبة بن نافع بالقيروان 35 م وارتفاع مئذنة جامع الزيتونة بتونس 43 م وارتفاع مئذنة الجامع العتيق بباجة الواقعة في الجوار 27 م.
64 –مؤنس (حسين): المساجد ص 146 ، بهنسي (عفيف): المدلولات الروحية في عمارة المساجد ص 140-141 .
65 –راجع: Rolland (Alice): Minaret et Mosquée op.cit p 22
66 –تبرز ذلك إحدى الصور الشمسية لهذه المئذنة الألفية التقطت لها سنة 1920 قبل أن تعوضها المئذنة الحديثة التي تذكر أكثر ما تذكر بمئذنة جامع الزيتونة ومئذنة جامع القصبة وقد تم استكمالها سنة 1342 / 1922 .
67 –يحاكي النظام الإنشائي لجذع بدن مئذنة جامع الباي النظام الإنشائي لمآذن أخرى ظهرت في نفس الفترة تقريبا على غرار مئذنة رحيبة الأندلس (أوائل القرن XVII) ومئذنة الجامع الكبير (1631 ) بتستور. راجع :
Saadaoui (A) Testour du XVII au XIXe siècle pp51-62, 63-145
