"لما أراد الوليد أن يبني المسجد أشار ببنائه اسطوانات إلى الطاقات، فدخل بعض البنائين فقال : لا ينبغي أن يبنى هكذا، ولكن ينبغي أن يبنى فيه قناطر وتعقد أركانها ثم تجعل أساطين وتجعل عمدا وتجعل فوق العمل قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء".
ابن فضل الله العمري
مسالك الأبصار ج.1 ص 181
|
|
المذهب الحنفي داخل المجال الإفريقي
-2 المذهب الحنفي من الانتصار إلى الانحسار
-3 العهد العثماني وعودة المذهب الحنفي
1- الينابيع والجذور:
يمكن تشبيه المسألة المذهبية في المجتمع التقليدي بما هي عنوان للخصوصية الثقافية والمحدد الأساسي للانتماء بمبدأ المواطنة في المجتمع المدني الحديث من حيث هو مقوم ركيزي من مقوماته وحجر الزاوية في تأسيس موطئ قدم فيه، من هنا نفهم قيمة الانتماء المذهبي في تمحيض الخصوصية ولا سيما ضمن الآفاق التاريخية والثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية في العصر الوسيط.
ولئن استقر المجال الإفريقي شأنه في ذلك شأن المجال المغاربي عامة مجالا يهيمن عليه المذهب المالكي في مستوى المصادر الرسمية على الأقل مع حضور مهمش للمذهب الاباضي غالبا ما كان مسترابا ومستهدفا فإن ذلك لا يعني البتة أن هذا المجال قد كان تاريخيا مجالا أحاديا سواء في مستوى "الثقافة العالمة" أو في مستوى "الثقافة العامة" ذلك أنه بالرغم من التعتيم الذي ضربه أصحاب طبقات المالكية ومن ترجموا لعلماء إفريقية من المؤرخين على غير المالكية من العلماء إقصاء ونبذا للآخر حتى وإن كان داخل المنظومة السنية ذاتها بحيث أهملوا مثلا أعلام المذاهب الأخرى فما احتفلوا بأخبارهم ولا اهتموا بضبط آثارهم ولا احتفوا بتدوين سيرهم إلا اضطرارا فلم يترجموا إلا إلى عدد قليل منهم وفي مناسبات نادرة كثيرا ما حتمتها عليهم ظروف التصنيف ومستلزمات البحث، رغم كل هذه العوائق فإن هذه المصادر بالذات والمصادر المبكرة لتاريخ إفريقية تنبئنا بأن المشهد الثقافي داخل المجال الافريقي منذالعهد الأغلبي و الى بداية العهد الزيري أي منذ القرن IX/II إلى حدود النصف الثاني من القرن X / IV قد كان مشهدا ثقافيا يقوم على الاختلاف والتنوع أو ما يمكن أن نصطلح على تسميته "بالتعددية" وهي تعددية كان يتوزعها بالأساس قطبان محوريان هما المذهبان الحنفي والمالكي. وقد كان من الطبيعي أن تكون العلاقة بينهما بما هي علاقة غير سكونية علاقة قائمة على التراوح بين التسامح والقبول بالآخر من ناحية والصراع وتفجير الخلافات من ناحية أخرى كيف لا وكل منهما يعكس فيما يعكس مصالح متباينة كثيرا ما تكون متصادمة هي مصالح كل من فئات أعلى الهرم الاجتماعي وفئات أسفل هذا الهرم.
فمما أجمعت عليه المصادر أن مذهب الإمام أبي حنيفة (80/699-150/767) قد كان أول المذاهب ظهورا داخل المجال الإفريقي وما وراءه من بلاد المغرب وأوسعها انتشارا به1 حتى عهد المعز بن باديس الصنهاجي (ت 254/1062). وقد تأكدت هذه الأسبقية التاريخية من خلال المصادر المالكية بالذات، يقول القاضي عياض : أما إفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين1. وإذا كان جانب من هذه المصادر يقرن بين انتشار المذهب الحنفي ورحلة أسد بن الفرات (ت 213 أو 214/ 828 أو 829) إلى المشرق في طلب العلم2 فمن الثابت أن أقوال أبي حنيفة كانت منتشرة بالقيروان وليس أدل على ذلك من أن ابن الفرات، على ما يذكر المالكي صاحب رياض النفوس، لما قدم من المشرق وجلس للتدريس بالقيروان استقطب مجلسه مالكية وأحنافا كانوا معروفين بصحبته ومن ضمن أعلام المدرسة الحنفية القيروانية هؤلاء : "معمر بن منصور" ومحمد ابن وهب ومحمد بن قادم وأبو المنهال وسليمان بن عمران وسائر من يقول بقول الكوفيين3 .
على أن ما تجدر الإشارة إليه في خضم هذا المشهد الثقافي المتميز بازدواجية المركز أن العالم الأنموذجي فيه قد ظل ذاك الذي يجمع بين مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي وبإمكانه على غرار أسد بن الفرات مثلا "أن يدرس أقوال العراقيين والمدنيين في مجلس واحد"4 مطلعا اطلاعا مقارنا على أصول المذهبين وبالنتيجة عالما بالخلاف الأمر الذي أسهم في تبلور ملامح هوية فقهية أو ثقافية إفريقية متميزة تختص بالإضافة إلى ميسمها السني العام بصبغة التعدد والمعرفة المقارنة ولنا في عبد الله بن فروخ الفارسي (115/733-176/793) وعبد الله بن غانم (128/746-190/805) وهما من أعلام المدرسة الفقهية القيروانية المبكرة أشهر دليل على ما نذهب إليه، فقد اجتمع الأول بأبي حنيفة وقرأ عليه وصحبه مدة طويلة كما لقي "مالك ابن أنس" (93/712- 179/795) وسمع منه الحديث وكتب عنه مسائل وأخذ الثاني عن مالك واجتمع بأبي يوسف (ت182/798) صاحب أبي حنيفة وتتلمذ له5 وكانا يجمعان بين المذهبين ويتخيران منهما.
-2 المذهب الحنفي من الانتصار إلى الانحسار:
تكاد المصادر القديمة تجمع على العلاقة الوطيدة التي كانت تشد المدرسة الفقهية الحنفية إلى السلطة السياسية وبالضرورة إلى فئات أعلى الهرم الاجتماعي وهذا شأن الدراسات الحديثة أيضا وما ينسحب على المجال المشرقي في هذا الصدد ينسحب على المجال المغربي وخاصة خلال الطورين الأغلبي والفاطمي من تاريخ إفريقية.
فقد كان المذهب الحنفي، فيما يؤكد هادي روجي ادريس، يمثل مذهب الأرستقراطية الأغلبية وعلى هذا الأساس كان دخول المذهب المالكي في صراع معه باعتباره مذهب الفئات الشعبية6، وإلى هذا الرأي نفسه يذهب محمد الطالبي إذ يشير إلى أن أصحاب مالك كانوا أكثر اندماجا في الأوساط الشعبية7، بل إن المصادر الشيعية نفسها تؤكد هذا المعطى إذ أنه كلما تحدثت عن المالكية إلا دعتهم العامة بكل ما يعنيه ذلك ضمنيا من استقطاب لخاصة الأمس المتحالفة مع الدولة الجديدة ضمن الأرستقراطية الماسكة بزمام السلطة 8 .
ومما يفسر تبني النخب الأغلبية الحاكمة للمذهب الحنفي ولاء هذه النخب نفسها لمركز الخلافة العباسية: بغداد حيث مالت كفة الرجحان لصالح مدرسة أهل الرأي ونال أصحاب أبي حنيفة، ولا سيما منهم أبو يوسف مقرر المذهب ووارثه في عهد هارون الرشيد (17/876-193/809) خطوة كبيرة حتى أنه تولى منصب قاضي القضاة وهو أعلى الخطط الشرعية في دولة الخلافة9، بحيث تقوى الأحناف داخل المجال الإفريقي بالنخب الحاكمة للسيطرة على مراكز القرار ومواقع النفوذ وفي طليعتها منصب القضاء وهو المنصب الذي لم يكن المالكية يتولونه إلا استرضاء للعامة وكسبا لولائهم. وتشدد المصادر المالكية على أن هذا المنصب كثيرا ما كان يتخذ مطية "للاستطالة على طبقة المدنيين وامتهانهم" وهذا مثلا شأن القاضي الحنفي ابن أبي الجواد والقاضي ابن عبدون ... مما انعكس سلبا على طبيعة العلاقة بين المذهبين فتحولت من التعايش والقبول إلى الصراع بكل ما يعنيه ذلك من اضطهاد لأجل الاختلاف في الرأي وانحياز للسلطان السياسي والنخب الاجتماعية الحاكمة على حساب مصالح فئات أسفل الهرم الاجتماعي. أضف إلى ذلك أن جانبا مهما من رموز المذهب الحنفي قد تطوع لإضفاء مشروعية القداسة على ما كانت تأتيه الأرستقراطية الحاكمة من سلوكات وما كانت تنتهجه من سياسات وذلك استنادا إلى "رخصة المذهب" وهو المبدأ الذي كان عنوان تيسير وقاعدة اجتهاد وإعمال للرأي ولكن يبدو أنه كثيرا ما أسيء استعماله , كما تم الانزياح به عن المقاصد الكبرى التي وقع استنباطه من أجلها10 .
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنه كان للمذهب الحنفي دور محوري في تفعيل المشهد الفكري والسياسي الإفريقي إلا أن طبيعة التحالفات التي كان يعقدها مع الأطراف السياسية المتنفذة ستساهم في هيمنته وانتشاره قدر مساهمتها في تراجعه وانحساره.
فما إن سقطت الدولة الأغلبية التي كان الفقهاء الأحناف يشكلون سندها المذهبي حتى تحول ولاء هؤلاء الفقهاء لصالح السادة الجدد، على ما بين الأحناف السنيين والشيعة الفاطميين من اختلافات لا تنحصر في فروع الدين وإنما قد تمتد إلى أصوله، ولم يكن هذا التحالف ليمس من استقلالية المذهب إذ ستظل المدرسة الفقهية الحنفية بالقيروان قائمة الذات ولكن إشعاعها السابق سيتراجع إلى حد كبير يشهد على ذلك – إذا ما اطمأننا إلى المصادر المالكية – غياب الفقهاء الأحناف من المجادلات التي غالبا ما كان الفقهاء المالكية طرفا فيها كما تشهد عليه ظاهرة "التشرق" أي ظاهرة انضمام كثير من النخب الحنفية إلى المذهب الشيعي11 . فبم يمكننا أن نفسر هذه الظاهرة وظاهرة ترحيب أرباب الدولة الجديدة من الشيعة الاسماعيليين بها وتشجيعهم عليها ؟
يبدو أن هذا التحالف يجد مبرراته في جملة من الاعتبارات يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، إذ تجمع المصادر القديمة على التقاء في المصالح بين الطرفين وتناقض مصالح كل من هؤلاء وهؤلاء وهي في نهاية الأمرمصالح الأرستقراطية المتنفذة مع مصالح المالكية وهي بالأساس مصالح فئات أسفل الهرم الاجتماعي وقاعدته الواسعة، فقد اعتنق عدد من الأحناف المذهب الشيعي إما تحييدا للاضطهاد المذهبي المنتظر وإما محافظة على مصالحهم الدنيوية أو انقيادا لأكثر المناصب إغراء بالنفوذ : منصب القضاء وهذا ما يؤكده ابن عذاري حينما يشير إلى أن عددا من العراقيين12 تأهبوا لاقتبال أرباب الدولة الجديدة وأظهروا لهم تأييدا وتملقوهم وتشرقوا 13 فنالوا ما طمعوا فيه من الحظوة والمناصب14 .
وقد كان الشيعة الفاطميون كأحوج ما يكون إلى مثل هذا الدعم الذي قدمه عدد مهم من أتباع أبي حنيفة من أهل القيروان لقضيتهم في هذه البيئة السنية المناوئة التي كان إحساسهم فيها بالعزلة متزايدا فاستغلوا هذا المدد وأيدوه بالامتيازات لما من شأنه أن يوفره لهم من حماية وتحييد لأشد الخصوم تصلبا في التصدي لنشر مذهبهم : فقهاء القيروان المالكية وغالبية السكان التي تقف وراءهم.
ولكن هل تكفي التناقضات الداخلية بين المالكية والأحناف من جهة والخصومات المستحكمة بين المالكية والشيعة من ناحية ثانية وحدها لتبرير هذا التحالف الشيعي الحنفي ضد المالكية ؟ لا يبدو ذلك كذلك إذ تشير المصادر المالكية نفسها، وإن من طرف خفي، إلى وجود أسباب أخرى لهذا الالتقاء هي فضلا عن المصالح الآنية المشتركة أسباب فكرية فقد كان "الشيعة – فيما يذكر القاضي عياض- يميلون إلى العراقيين لاتفاق مزاجهما وآرائهما في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم15"، وعلى هذا الأساس فلم يكن دعم الفقهاء الأحناف للقضية العلوية – على حد تعبير فرحات الدشراوي-" مجرد رد فعل للانتقام من خصومهم المالكية بل كان يمثل بالعكس من ذلك حركة انضواء طبيعي تحت لواء مذهب قد سبق لفقهاء المدرسة العراقية أن أظهروا نحوه ميولا أكيدة منبثقة عن التعاطف الذي كان موجودا بين أبي حنيفة وجعفر الصادق"16 .
والثابت أن هذا التحالف قد أفضى إلى احتواء الأحناف وتحييدهم عن ساحة الصراع الفكري والديني، ذلك أنهم تخلوا بذلك عن موقعهم كأحد طرفي الاستقطاب الثنائي في المشهد الثقافي داخل المجال الإفريقي ونهائيا لصالح المالكية الذين استفردوا تدريجيا بتمثيل التيار السني واحتلوا وحدهم واجهة التصدي للتيار الشيعي الغازي بحيث انتهى ذلك الاستقطاب الثنائي الذي وسم الحياة الثقافية في العهد الأغلبي، وقد كان بين الأحناف والمالكية، إلى استقطاب بين المالكية والشيعة في العهد الفاطمي. وبقدر ما أسهم هذا التحول في تأسيس الشرعية المالكية وتوطيد أركانها ومن ثمة ترجيح كفتها بعد أن استحال المذهب المالكي مقوما من مقومات الخصوصية الثقافية والاستقلال المذهبي وعنوان اختلاف اجتماعي مع الفئات الأرستقراطية المهيمنة أسهم في تراجع المذهب الحنفي وفقدانه لفاعليته التاريخية بتراجع الأطراف السياسية التي راهن عليها أو راهنت عليه وانحساره بانحسارها من خارطة البلاد السياسية. وعلى هذا الأساس فلن يأتي عهد المعز بن باديس وقد كان التفوق المالكي فيه بينا، حتى عاد المذهب الحنفي مذهبا أقليا كما بدأ وخاصة بعد أن أعلن العاهل الزيري سنة 441/1049 فك الارتباط مع الخلافة الفاطميــــة بالقاهرة و "أنكـر عليها بعض المذاهب في التشيـــع وحمل الناس على مذهــب الإمام مالك بن أنس وقطع ما عداه"17.
-3 العهد العثماني وعودة المذهب الحنفي :
لئن بقي المذهب الحنفي طرفا فاعلا في المشهد الثقافي الإفريقي ببنيته الفقهية المتماسكة وبأعلامه الذين تمكنوا لما لا يقل عن قرنين ونيف من الزمن من المحافظة على تراث مدرسة أهل الرأي في بيئة ثقافية "لم تكن في حاجة إلى كثير من الافتراضات والاستنباطات والقياسات التي لجأ إليها الفقهاء الأحناف"18 فإن هذه الفعالية أصبح عدها تنازليا انطلاقا من العهد الفاطمي ويبدو أن هذا العد التنازلي قد بلغ ذورته في أواسط القرن XI/X. فعلى عكس المذهب الإباضي الذي سيبقى مترسخا في المحيط البربري رغم إقصائه عن المواقع الاستراتيجية بالبلاد وسيصمد بتراثه الفقهي الخاص وبمنهجه الذاتي في الاجتهاد واختياراته الخاصة في المسائل المتعلقة بفروع الدين عبادات ومعاملات وربما كان هذا راجعا إلى ارتباطه بالفئات المهمشة في تاريخ البلاد الاجتماعي والثقافي، لن يبقى للمذهب الحنفي أثر يذكر بل إن أمره قد أمسى في عداد المنتهي منذ أواسط القرنXIII/XII حتى أن معتنقيه أو بالأحرى ممثليه قد صاروا من القلة بمكان جعل التجاني صاحب الرحلة في حديثه عن محمد بن ابراهيم الزناتي المعروف بالحنفي (ت655/1257) أحد علماء المهدية يذهب إلى أنه "لم يكن في هذه العصور كلها ببلاد إفريقية حنفي غيره"19 رغم أنه اشتغل بالمذهب وكان إماما فيه.
ولن يعود مذهب أبي حنيفة إلى الظهور بالبلاد التونسية من جديد إلا في أواخر القرن XVI/X لما نزل الأتراك بتونس سنة 981/1574 20، بحيث لن تتشكل قاعدته البشرية والاجتماعية إلا من خلال العنصر الجديد أي العنصر التركي الخالص والعنصر الإنكشاري المتكون من أغلب الأجناس الأوروبية والآسياوية المنتمية إلى مختلف المناطق الواقعة تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية والعنصر الكوروغلي وهو العنصر الذي نتج عن استقرار العناصر الإنكشارية بالبلاد واقترانها بنساء تونسيات، كل هؤلاء بالإضافة إلى المماليك أو العلوج الذين اعتنقوا الإسلام21. بمعنى آخر سيكون المذهب الحنفي مرة أخرى مذهب الفئات الاجتماعية المحظوظة بالبلاد وكأن قدره أن يكون دوما مذهب الأرستقراطية الحاكمة. ومهما يكن من أمر فإن توافد هذه العناصر السكانية على البلاد سيرتقي بعدد الأحناف تقديرا إلى عشر المجموع العام للسكان تقريبا22 . وقد كان من الطبيعي أن تكون لهذا المكون الجديد من مكونات التركيبة السكانية للبلاد احتياجاته الثقافية والروحية المميزة وهي بالتحديد احتياجات علمية وقانونية وشعائرية إذ كان من الأكيد أنها تلتقي مع إحتياجات المجموع العام لسكان البلاد الأصليين إلا أنها تتباين معها من حيث المرجعية المذهبية وبالتالي من حيث الخصوصية الثقافية و ربما كانت أكثر اقتدارا على تلبية متطلبات هذا الاجتماع البشري الجديد واستيعاب مختلف خصوصياته.
وعلى هذا الأساس فلقد كان من الضروري أن تنظم من أجل سادة البلاد الجدد والفئات الاجتماعية المحظوظة المرتبطة بهم، وهي التي بيدها ابتداء وانتهاء سلطة القرار في البلاد، "إدارة خاضعة للقوانين العثمانية" و "أن تقام الشعائر الدينية على مقتضى المذهب الموازي للمذهب الجاري به العمل منذ قرون لدى "العامة" ولم يكن هذا المذهب الموازي إلا المذهب الحنفي 23 : مذهب أهل الحل والعقد. من هنا تولدت الحاجة إلى بعث مؤسسات علمية وروحية قادرة على إشباع هذه الاحتياجات وإيجاد مراكز إشعاع ثقافية حقيقية سواء في الحاضرة أو داخل الأقاليم كفيلة بتأمين هذه الاحتياجات وتغطيتها بشكل مستديم دونما التجاء بالضرورة إلى الاستنجاد بالباب العالي ولا سيما مع عائق التواصل بحكم اختلاف اللغة، ومن هنا كان سعي الحكام الأتراك إلى تكوين الإطارات العلمية التي تحتاجها الدولة الجديدة في مختلف الوظائف الشرعية والعلمية وهي الإطارات التي كان في طليعة أدوارها نشر المذهب الحنفي وتدعيم أركانه وتأكيد أهميته الروحية والاجتماعية بكل ما يعنيه ذلك من تكريس لمكانة الأحناف ولمنزلة العنصر المنتصر في حياة البلاد السياسية العسكرية والاجتماعية.
على هذا الأساس ستتجه عناية الدايات والبايات الأتراك في القرن XVII/XI وخاصة بعد استقرار الحكم في الأسرة المرادية إلى إحياء الحركة العلمية بإنشاء الجوامع وتأسيس المدارس حيثما لوحظ الحضور التركي ودعت الحاجة إلى خدمة المذهب الحنفي، وفي هذا الإطار :
- أسس يوسف داي أول جامع حنفي بتونس سنة 1021/ 1612 وهو جامع البشامقية وأسس حمودة باشا ثاني جوامع الحنفية بالحاضرة سنة 1066/1655 وهو الجامع المعروف باسمه إلى اليوم كما أنشأ محمد باي المرادي بدوره جامعا ثالثا لتعظيم الشعائر الدينية على مقتضى المذهب الحنفي هو الجامع المعروف حاليا باسم جامع سيدي محرزداخل باب سويقة بتونس العاصمة.
- وتم تجديد مدارس طلبة العلم القديمة مثل الشماعية والمنتصرية وأنشئت مدارس جديدة على غرار مدرسة يوسف داي والمدرسة المرادية 24 .
- وفي الأقاليم ابتنيت عدة جوامع حنفية بمختلف المدن25. وبالتزامن مع ذلك بعثت مدارس عديدة، ولعل أهم هذه المنشآت الدينية والتعليمية هي تلك ظهرت بالخصوص في عهد مراد باي الثاني (1076/1666-1086/1675)، ابن حمودة باشا وخلفه، وفي عهد محمد باي (1086/1675-1108/1696)، نجل الأول في الذكر, فقد ابتنى مراد باي الثاني مسجدا حنفيا بباجة وآخر بقابس26، أما ابنه وخلفه محمد باي فبالإضافة إلى المسجد الحنفي الذي بناه بالقيروان أحدث عددا ملفتا للانتباه من المنشآت التعليمية هي علاوة على "مدرسته التي أحدثها بباجة" 27 المدارس الحنفية التي أنشأها تباعا بكل من الكاف وقابس وقفصة وتوزر ونفطة28 .
-4 المذهب الحنفي "بوطن باجة"29
4-1 الفترة الوسيطة:
إذا ما استثنينا الوجود الإباضي الذي انحصر تقريبا في الوسط البربري واستبعد إلى أقاصي البلاد وأقل أطرافها أهمية استراتجية فإن المصادر الإسلامية الوسيطة على اختلاف أنواعها لا تمكننا من تشكيل تصور ذي بال للخريطة المذهبية التي كانت تنتظم المجال الإفريقي، ولكن الأكيد أن هذا المجال كان بالأساس سنيا تحولت فيه كفة الرجحان تدريجيا من المذهب الحنفي إلى المذهب المالكي.
ولم يكن إقليم باجة ليشذ عن هذه التحولات ولذلك فرغم قلة مصادر استقاء الخبر التاريخي المتصل بمدار بحثنا فإن في ما وصلنا من هذه الأخبار ما يثبت انحياز أهالي الإقليم وحاضرته إلى آراء أهل المدينة في الفقه وبالتالي إيثار غالبيتهم لمذهب مالك بن أنس وصحبه لربطهم ربما بين رمزية المدينة وقيمة العلم الذي كان يحمله أهلها شأنهم في ذلك شأن معظم الأفارقة في ميلهم بحكم بعد بلادهم جغرافيا عن مهبط الوحي، إلى المدينة "أكثر المواطن تلبسا بالمعرفة الدينية الواضحة القريبة تاريخيا وجغرافيا من الرسول"30 إلا أن ترجيح المذهب المالكي بهذه المناطق ذات الكثافة السكانية البربرية لا يعني قيام المشهد الثقافي / المذهبي بها على عدم التعدد ذلك أننا نسجل حضورا للمذهب الحنفي بها منذ العهد الأغلبي، قد يكون هذا الحضور أقليا وقد يكون نخبويا ولكنه كان حضورا مؤكدا. أما المذهب الشيعي فرغم تعتيم المصادر السنية عليه فالثابت أنه ظل محافظا على وجوده بها حتى العهد الزيري 31 .
فإذا كان وجود حامية نظامية بقلعتها واستقرار جانب كبير من الأرستقراطية العربية على رأسها أسرة الوزير الأغلبي علي بن حميد المتنفذة32، مما يبرر تعيين حنفي على رأس خطة القضاء بها هو سليمان بن عمران (183/799-270/883) إمام العراقيين بعد أسد بن الفرات فإن هذا التعيين وإن أرضى "الخاصة" فما كان له أن يحظى بتأييد "العامة" والغالب عليها متى وثقنا بالمصادر المالكية مذهب أهل الحجاز إذ يروى أن أهل باجة اشتكوا القاضي المذكور إلى سحنون فقال : ما تقولون فيه ؟ فقالوا : إنه يحكم علينا بمذهب أهل العراق (أي المذهب الحنفي) فقال : ما قدمته عليكم إلا وأنا أعلم أنه يحكم بمذهبه، فانصرفوا" 33 . هل يعكس هذا الخبر تسامحا من سحنون وقبولا منه بالاختلاف في إطار وحدة التيار السني ؟ أو يعكس اتفاقا ضمنيا بين المالكية والأرستقراطية الأغلبية وهي حنفية على تقاسم سلطة القرار بحيث تولي السلطة على رأس هذا المنصب كلما دعت حاجتها إلى استرضاء العامة مالكيا وبالمقابل فإن هذا القاضي المالكي يأخذ بعين الاعتبار مصالح الدولة فلا يرى مانعا في استكتاب القضاة الأحناف أو تسميتهم على رأس أهم الأقاليم خاصة إذا كان هؤلاء القضاة من العلماء بالخلاف المطلعين على أصول المذهبين؟ أكيد أن هذا الخبر يعكس وجود صراع بين المذهبين وهو في العمق صراع اجتماعي بين العامة والخاصة ولكنه يعكس أيضا طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين الأحناف و المالكية ولم تكن محكومة دائما بمبدإ الصراع وإنما كثيرا ما كانت تنعقد على توزيع الأدوار وقبول كل واحد منهما بالآخر في الحدود التي لا يمس فيها مصالحه.
هذا ويشير واندرهايدن (Vonderheyden) إلى أن عبد الله بن المغيرة من أوائل الأحناف وأبرزهم وقد كان صاحب اجتهاد وتأليف قيم في الفقه34. ولم نعثر في تراجم علماء إفريقية على علم بهذا الاسم ما عدا عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني (كان حيا سنة 123/740) وهو بالفعل معاصر لأبي حنيفة ولكن تنتابنا شكوك كبيرة إزاء إمكانية تتلمذه لإمام مدرسة أهل الرأي واحتمال تغييب المصادر المالكية لعراقيته وتكتمها عليها فإن صح هذا الزعم فإن هذه الشخصية تكون من أوائل الشخصيات العلمية الحنفية حلولا بهذا الإقليم إذ أن عبد الله بن المغيرة ليس إلا صاحب قصر مغيرة وقرية المغيريين بعبارة صاحب رياض النفوس35 وليست قرية المغيريين على الأرجح سوى المغيرية – الغيرية حسب النطق الحالي- إحدى قرى مدينة باجة التي أشار إليها البكري36 مما يفترض تسرب المذهب الحنفي إلى هذه المنطقة منذ الفترة السابقة لانتصاب الدولة الأغلبية.
4-2 العصر الحديث:
سيعود المذهب الحنفي إلى الظهور من جديد بهذا الإقليم كما هو الشأن بالنسبة إلى كامل البلاد مع نزول الأتراك. فقد تكرست في هذا العهد مكانة مدينة باجة الاستراتيجية مركزا إداريا وعسكريا وإقتصاديا لكامل منطقة التلال، إذ كانت سوقا كبرى للحبوب وهي الوظيفة التي ما انفكت تستأثر بها منذ العصور القديمة ومنها دورها كعاصمة اقتصادية إقليمية على الصعيدين الفلاحي والتجاري كما كانت قاعدة حصينة لوقوعها على طريق الغزوات القادمة من الغرب وحاجة بايات المحال إلى الإقامة بها كلما خرجوا لاستخلاص الضرائب صيفا، ولذلك فإن أهميتها هذه ستجعلها مركز استقطاب لجالية تركية وفيرة العدد لفتت انتباه الرحالة الإيطالي الأسير روبرتو الياطا جونطليمو إنكليز منذ مطلع القرن XVII/XI 37 . وسيشير المؤرخ محمد الصغير بن يوسف (1693-1771) إلى وجود طائفة كبيرة من الكولوغليين أو الكوالوغلية مستقرين بها في أواسط القرن XVII/XI ، كان هو واحدا منهم38 . وإذا كان حمودة باشا باي المرادي (1631 ـ 1665 ) قد رتب بها وجقا من الصبايحية فالثابت أن قصبتها قد كانت منذ بداية الاستيلاء العثماني مقرا لحامية تركية من الجيش الإنكشاري وقد كاد آغة هذا الوجق/ الحامية الجهوية وهو عجم داي سنة 1019 / 1610 أن يكون ثاني الدايات الذين حكموا البلاد 39 .
وتبرز أهمية هذا الحضور من خلال حجم الملكية العقارية التي كان يحظى بها أفراد هذه الشريحة من السكان40 فضلا عن طبيعة الدور الذي سوف تضطلع به أعيان الأسر المنحدرة من أصول تركية وتحديدا الأرستقراطية الكوروغلية في حياة المدينة الاقتصادية والاجتماعية41 بالتزامن مع دورها في حياتها الروحية ولا سيما ما شهدته من صراع مذهبي – في واجهته على الأقل ـ سيتواصل إلى أواسط القرن الماضي XX/XIV 42 . علما أن أثر هذا الحضور الإثني، وهو يعكس بالضرورة موقع الأحناف الاجتماعي ومن ثمة حجم الأهمية التي يتسم بها مذهبهم في حياة المدينة، مازال ماثلا من خلال ألقاب بعض الأسر سواء منها ما انقرض أو تحول بالتقادم كعائلات ابن بليطة وابن مامي وابن للونة وعبدي الحنفي ووالي وقايجي وعجم وشعيب ... أو مايزال موجودا إلى اليوم مثل عائلات برناز وبولكباشي والميلادي ومبزعية وابن زلاوية وآل ابن يوسف الأحناف43 وآل ابن يوسف الكوروغليين وشلبي والدرويش و تراكي و غطغوط.
وهو ماثل كذلك من خلال المنشآت الروحية والعلمية التي ابتنوها، وهي منشآت موازية للمنشآت الموجودة التي تخص غيرهم من السكان، وقد كانت معدة لتعظيم المذهب المالكي قواعد وشعائر، وتتمثل أساسا في المباني الجنائزية التي أقيمت على أضرحة صلحائهم مثل مقام سيدي بقطاش44 أو الزوايا التي تفرد بتأسيسها من جمع بين "الشريعة والحقيقة" من فقهائهم كما هو شأن زاوية سيدي عبد الله نوال45 أو تلك التي رعوها وتقدموا على أوقافها حينما بلغ التصوف أقصى مده الطرقي وصار الانتماء المذهبي يترافق بالضرورة مع الولاء للطريقة وهذا شأن الزواية الرحمانية الأولى 46 وزاوية القسطلي وهي الزاوية الثانية للطريقة الرحمانية بالبلد47.
ولعل ذروة هذه المنشآت تتمثل على الإطلاق في الجامع الحنفي والمدرسة المتصلة به وهي حنفية أيضا وهما المعلمان التركيان اللذان عمدنا إلى دراستهما من دون سائر المعالم الأخرى معمارا وأدوارا لما يتميزان به من خصائص ولما نهضا به من وظائف كان لها أثرها الايجابي في إنعاش الحركة العلمية بالجهة وهو ما سيتجلى بشكل أوضح في بدايات العهد الحسيني وفي تغطية حاجيات الدولة من الإطارات الشرعية والعلمية فضلا عن تعزيز النفوذ الاجتماعي الارستقراطية التركية الحاكمة محليا ومركزيا.
1 –راجع : ابن الخوجة معالم التوحيد ص 153. القاضي عياض : المدارك 1: 54، المقدسي أحسن التقاسيم ص 42.
1 –القاضي عياض: المدارك 1: 54.
2 –الدباغ: معالم الإيمان ج 2 ص 3 وخاصة المقدسي الذي يعد "أسد بن الفرات" أعلم العراقيين بالقيروان كافة وجالب المذهب الحنفي إلى إفريقية ن. م. س.
3 –المالكي رياض النفوس ج 1 ص ص 265-266.
4 –الشتيوي (محمد) : تاريخ المذاهب الفقهية ص 43
5 –عبد الوهاب (ح.ح) : كتاب العمر المجلد الأول ** ص ص 889 - 895
6 –ادريس (هـ.ر): الدولة الصنهاجية تع. ح. الساحلي ج 2 ص 313.
7 –الطالبي (محمد): دراسات في تاريخ إفريقية ص 162.
8 –ادريس (هـ.ر) : ن.م.س ص 350.
9 –المجدوب (عبد العزيز ): الصراع المذهبي بإفريقية ص 65.
10 –نجد صدى هذا واضحا لدى القاضي عياض، راجع الطالبي: تراجم أغلبية ص 390 وهو نفس الصدى الذي يتردد في بعض الدراسات المعاصرة، انظر : المجدوب (ع. العزيز)، الصراع المذهبي بإفريقية ص 65.
11 –ادريس (هـ.ر): الدولة الصنهاجية ج 2 ص 303-304
12 –أطلقت تسمية العراقيين أو الكوفيين على الأحناف نسبة إلى مكان ظهور المذهب وانتشاره.
13 –التشرق هو المصطلح الذي شاع في المصادر المالكية للدلالة على ظاهرة اعتناق المذهب الشيعي والظاهر أن هذه التسمية قد أطلقتها عليهم المصادر السنية لميلهم إلى التشريق في الصلاة بمعنى الميل بالقبلة إلى ناحية المشرق وذلك خلافا لما كان سائدا في كل مساجد المغرب الإسلامي من إنحراف بالقبلة إلى الغرب. وبالفعل فإن المصادر تشير إلى أن المعز لدين الله الفطمي أزمع سنة 345/956 تحويل محراب جامع عقبة بالقيروان نحو الشرق أكثر إلا أن مشروعه هذا لم ينجز بسبب المعارضة الشديدة التي لقيها من فقهاء القيروان وقد أثبتت الدراسات الحديثة وجود انحراف في قبلة الجامع الكبير بالقيروان نحو الجنوب قدر بــ 31 درجة. راجع ابن حمادي (عمر) : حول نعت الدعوة الفاطمية بالتشريق ونعت الداخلين فيها بالمشارقة، حوليات الجامعة التونسية عدد 39 السنة 1995 ص ص 281-304، القاضي النعمان : افتتاح الدعوة تح . فرحات الدشراوي ط2 تونس 1986 ص 79، Dozy(R):supplément T1 p751
Talbi (M):article Masharika in E.INE TVI p 701 .
14 –ابن عذاري البيان المغرب ج1 ص 153.
15 –الطالبي (محمد): تراجم أغلبية ص 390.
16 –الدشراوي (فرحات): الخلافة الفاطمية بالمغرب تع .حمادي. الساحلي ص ص 586-587 .
17 –ابن أبي الضياف : الإتحاف ج 1 ص172.
18 –العروي (عبد الله) : مجمل تاريخ المغرب ص 40 .
19 –التجاني: الرحلة ص 369.
20 –ابن الخوجة (محمد) : معالم التوحيد ص 156، الطالبي (محمد) : دراسات في تاريخ إفريقية ص 162 .
21 –راجع حسين خوجة : ذيل البشائر تح الطاهر المعموري مقدمة المحقق ص ص 35-38 .
22 –قدرهذا العدد بــ133562 من جملة 1.335.623 نسمة هم المجموع العام لسكان البلاد التونسية سنة 1936، راجع ابن الخوجة : معالم التوحيد هامش 1 ص 157 .
23 –أنظر : ابن الخوجة : ن . م . س ص 156، عبد السلام (أحمد) : المؤرخون التونسيون، تع ا. عبد السلام ع.ر. الحليوي ص 28.
24 –ابن الخوجة (محمد) : معالم التوحيد ص ص 300-301
25 –ابن الخوجة (محمد): معالم التوحيد هامش 1 ص 157 .
26 –راجع : خوجة (حسين): بشائر أهل الإيمان ص 98، ابن أبي دينار : المؤنس ص ص 248-249، السراج: الحلل السندسية ج 2 ص 448، مقديش (محمود) : نزهة الأنظار ج 2 ص 106.
27 –أنظر خوجة (حسين) : ن.م ص 103، ابن أبي الضياف : الإتحاف ج 2 ص 62، مقديش (محمود) : ن.م ج 2 ص 135 وقد أخطأ كل من ابن الضياف ومقديش حينما نسبا المسجد الحنفي بباجة إلى منشآت محمد باي والحال أنه من منشآت والده مراد باي الثاني وانفرد ابن أبي الضياف بذكر مسجد لمحمد باي بالكاف والحال أن لا أثر لهذا المسجد وإنما أحدث بالكاف مدرسة حنفية فحسب.
28 –خوجة (حسين) : ن .م ص 103، السراج الحلل السندسية ج 2 ص 560.
29 –نعني بكلمة وطن الإقليم الجغرافي أو الجهة والكلمة مصطلح شائع في المصادر التاريخية التونسية الوسيطة والحديثة.
30 –الشتيوي (محمد) : تاريخ المذاهب الفقهية ص 70.
31 –تعايش المذهب الشيعي مع خصميه السنيين إلى مطلع القرن XI/V إذ تفيدنا المصادر، إذا ما سلمنا بكتب المناقب مصدرا ممكنا للخبر التاريخي بأن حملة الاضطهاد التي طالت الأرستقراطية الشيعية سنة 406/1016 وقد تزعمها محرز بن خلف بتونس بتشجيع ضمني أو صريح من السلط الزيرية حدثت واحدة من أهم وقائعها بباجة وكان على رأسها فقيه مالكي هو أبو محمد من الله بن علي الكراني الباجي. أنظر : ادريس (هـ.ر) : مناقب محرز بن خلف ص 91، 96 و 97، 103-107، 111-112 ، النيال (م.ب) : الحقيقة التاريخية للتصوف ص ص 192 –193.
32 –البكري: المغرب في بلاد إفريقية والمغرب ص 57، الطالبي (محمد): الدولة الأغلبية ص 246.
33 –راجع السنوسي (محمد) : مسامرات الظريف ج 3 ص 39 ، عبد الوهاب (ح.ح) : كتاب العمر المجلد الأول ص 900.
34 –Vonderheyden: La berbérie orientale sous la dynastie des Benoù -I-Arlab p 140
35 –المالكي : رياض النفوس ج 1 ص 126.
36 –البكري : المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص 57 "ومن قرى باجة المغيرية قرية شريفة بها آثار عظيمة عجيبة للأول" ، تقع اليوم على بعد 5 كلم شمال غربي مدينة باجة.
37 –Roberto Elliatta Gentilhuomo Inglese: Brève description du royaume de Tunis in Pignon (J) . Un document inédit sur la Tunisie de XVIIes pp 19-20
38 –ابن يوسف (محمد الصغير): التكميل الشافي للغليل خ.د.ك.و.ط عــدد 3536 و 195 ب-196 أ وقد أشار ابن يوسف إلى أنهم كانوا يعدون في الربع الأخير من القرن XVII/XI "ستمائة ثلاثمائة صبايحية على الخيل وثلاثمائة رجلية (مشاة)" أوقع بهم محمد باي (1675-1696) ونفاهم .
39 –ابن أبي الضياف (أحمد): الإتحاف ج 2 ص 31، Abelwahab (H.H), Béja, E.I NE T1 pp 896-897
40 –تراجع في ذلك رسوم الأحباس الخاصة الراجعة بالنظر إلى الأسر المنحدرة من أصل تركي، رسم حبس الميلادي بن الحاج سليمان التركي – خ خاص – ورسم حبس صغير بن علي التركي- خ.خاص مثلا
41 –وهذا ما أشار إليه بيليسييه سنة 1847 منها إلى مستوى المعيشة المرموق الذي كانت تتمتع به بعض هذه الأسر وقد نص مثلا على أن آل بن (ي) هم أثرى المزارعين وتجار الحبوب بالإيالة كلها :
Pellissier (E) :Description de la régence de Tunis T1 p 248.
تثبت ذلك أيضا دفاتر الجباية راجع : Kassab (A) : L'évolution de la vie rurale pp 75-76
42 –أنظر صدى هذا الصراع حول منصبي الخطابة والإمامة بالجامع الحنفي بباجة بين الأحناف والمالكية إلى حدود الأربعينات من القرن الماضي في مراسلات الأحناف المكثفة للجهات الرسمية المعنية واعتراضهم على "تغيير المذهب الحنفي" : الأرشيف الوطني : السلسلة D الصندوق 4 الملف 17 أيمة الجامع الحنفي.
43 –استقر منهم منذ أوائل القرن XVIII/XII فرع بتبرسق يعرف بلقب الحنفي ويرسم أيضا بصيغة الحنافي ويستفاد من رسوم الأحباس التي يختص بها أنه ينحدر من سلالة حسن بن مراد بن يوسف
44 –يعرف اليوم باسم سيدي بعداش ومقامه غربي مئذنة الجامع الكبير داخل باب المدينة وقد تحول إلى محل سكنى.
45 –توجد هذه الزاوية إلى اليوم بنهج الحوكية جوار الجامع العتيق وبها ضريح شيخها المؤسس وضريح اثنتين من صالحات نفس السلالة تعرفان ببنات عجم وأصولهما التركية المفترضة واضحة من خلال اللقب الذي تحملاه.
46 –هي الزاوية التي تنتصب بساحة باب العين على أعتاب السور جوار الجامع الحنفي أسسها قبل سنة 1269/1853 الشيخ محمد بن أحمد القسطلي حامل لواء الطريقة الرحمانية في عصره قبيل استقراره النهائي بباجة وذلك برعاية كاملة من الفقيه محمد الجيلاني بن أحمد بن يوسف الحنفي – أحد أعيان الكوارغلية (رواية حفيد الولي السيد عبد الستار القسطلي) أنظر : زاوية الطريقة الرحمانية بباجة. الأرشيف الوطني السلسلة D الصندوق 4 الملف 3.
47 –أسسها داخل باب السوق أسفل ساباط صبانويل الشيخ محمد بن أحمد القسطلي (ت1275/1857) برعاية من أبي الحسن علي ابن الصغير بن يوسف الحنفي –كبير أعيان الكوارغلية – سنة 1274/1856 أو قريبا منها إذا كانت في التاريخ المذكور "جديدة البناء"، رسم حبس زاوية القسطلي أمدنا به مشكورا السيد عبد الستار القسطلي المشار إليه سالفا، راجع زاوية القسطلي، الأرشيف الوطني السلسلة D الصندوق 75 الملف 19.
